منذ متى أصبح الاكتفاء أمراً صعباً، مهما كثر ما بأيدينا؟ ومتى بدأنا نخلط بين ما نحتاج إليه، وما نرغب في أن يتحمّله غيرنا عنا؟ أهي طبيعة النفس حين تألف الراحة، أم عادة تتضخّم كلما وجدنا من يلبّي بلا حساب؟
صار الراتب، عند بعضهم، ضيفَ شرف في حياتهم؛ يكتفون بوجوده، ويطلبون من غيرهم دفع الحساب، يحيّونه كل شهر، ثم يضعونه جانباً، لتبدأ قائمة مطالب لا تنتهي: اليوم ملابس، غداً قهوة، وبعده ربما «حياة كاملة بالتقسيط على الجهة»، فكرة تبدو مغرية، لكنها تلغي أبسط حقيقة: أن الراتب وُجد لتدير به حياتك، لا لتنسحب منها.
وهذا ليس طرحاً نظرياً، بل واقع استفزّني ذات يوم، حين سمعت أحدهم يطالب جهة عمله بأن تغطّي قيمة الصورة الشخصية لتجديد بطاقته الوظيفية، ثم واصل مطالباً ببدل ملابس! متناسياً أن الراتب الذي يتقاضاه وُجد لإدارة حياته بكل تفاصيلها، كلٌّ بحسب ما قُسم له من رزق، ولا أتحدث هنا عن وظائف تتطلب زياً موحداً (Uniform)، ولا عن أعمال تفرض طبيعتها بدلات محددة.
في زمنٍ تتوافر فيه الخيرات والنعم، تبقى الوظيفة المستقرة والراتب الثابت من أعظمها، أن يكون للفرد دخلٌ معلوم، فهذا ليس تفصيلاً عابراً، بل أساسٌ للاستقلالية والكرامة، لكن حين يُفقد تقدير هذه النعمة، يتحوّل الراتب من وسيلة حياة، إلى رقم يُنتظر أن يُستكمل ببدلات لا تنتهي. وهنا يبرز معنى لا يقل أهمية وهو: الامتنان.
فالعمل ليس مجرد راتب، بل علاقة تقوم على قدر من الولاء والعطاء، وعلى وعيٍ بقيمة ما بين أيدينا. ومن لا يُحسن تقدير ما لديه، لن يكفيه ما يُضاف إليه.
الراتب مسؤولية، مأكلك، ملبسك، فواتيرك. هذا هو الأصل، أما تحويل كل احتياج إلى “بدل”، فليس تنظيماً للمعيشة، بل تخلٍ عنها؛ هو انتقال صامت من الاعتماد على النفس، إلى الاتكالية.
ولا يعني ذلك التقليل من الحقوق المشروعة أو أهمية المطالبة بها، لكن الفرق كبير بين حق واضح وقائمة مطالب لا تنتهي، وعندنا تمنح لا تقابل بالتقدير والامتنان.
الجهات تُنظّم العمل، وتُقدّر الجهود، وتدعم ضمن أطر واضحة، لكنها لم تُوجد لتدير حياتنا الشخصية.
ومع استمرار بعضهم على هذا النهج، قد لا نستغرب يوماً أن تتحوّل الفكرة إلى قناعة كاملة: أن كل شيء يجب أن يكون على حساب الجهة بل وحتى الحكومة، لكن قبل أن نصل إلى هناك، يبقى السؤال الأصدق: إذا تكفّل غيرك بكل شيء، فماذا بقي لك أنت؟ وما معنى حياتك، إذا رميت بكل مسؤولياتك على غيرك؟
