صحيح أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أعلن وقف إطلاق النار بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في الثامن من إبريل/ نيسان الماضي، ولكن الحرب لم تتوقف يوماً واحداً، ولكنها اتخذت أشكالاً أخرى قد تخفف بعض الآثار، وتقلل التكاليف على أطرافها، وفي الوقت نفسه لا تُخرج العالم من الأزمات التي وضعته فيها، بل تزيدها تأزماً. الرئيس ترامب نفسه أعلن، أكثر من مرّة، أن الحرب ستنتهي قريباً، وأن أمريكا انتصرت، وعاد وصرّح بعد 19 يوماً من وقف إطلاق النار بأن «الحرب مع إيران ستنتهي قريباً جداً، وسننتصر»، كأنه يقرّ بأن الانتصار لم يكتمل.
الأمر نفسه في إيران التي يعلن قادتها أنها هي التي ستنتصر، وأن أصابع جنودها على الزناد، أما إسرائيل فهي تحلم بساعة صفر جديدة يحدّدها الرئيس ترامب للعودة إلى القتال.
لم ينتصر أحد في الحرب العسكرية، ولن ينتصر أحد في الحرب الاقتصادية التي فرضت حصاراً على إيران التي تحاصر بدورها مضيق هرمز، وتفرض شروطاً مجحفة وغير مسبوقة، للمرور فيه، ولن ينتصر أحد في الحرب الدبلوماسية التي تجعل التفاوض عقيماً، وتُصوّر الطرفين أمام العالم كأنهما «توم وجيري»، اللذين يمارسان الكرّ والفرّ، من دون رغبة أيّ من الطرفين في استيعاب مطالب وهواجس الآخر.
فاتورة هذه الحرب لا تتحملها الأطراف المتصارعة فقط، ولكن يدفعها العالم كلّه مضطراً، بعد أن أصبح قدر أغلبية الدول والبشر في الكوكب تحمّل عواقب شطحات وجشع الأقلية التي تصنع الأزمات، وتشعل الحروب، وتثير الفتن، وتصّر على الاستحواذ على ما ليس حق لها.
الحرب العسكرية كانت خسائرها محصورة في إيران، وإسرائيل، والولايات المتحدة، ودول الخليج، والعراق، والأردن، ولبنان، وأسفرت القصف الصاروخي والطلعات الجوية عن انهيار الاقتصاد الإيراني، وتدمير مواقع عسكرية، وبنى تحتية، وجسور، ومصانع، ومدارس، ومنازل، ما يستلزم عقوداً لإعادة الإعمار، أما إسرائيل فتشير التقديرات إلى أن الحرب كلفتها 57 مليار دولار، بجانب ما تم تدميره من مواقع عسكرية ومدنية.
كما تشير التقديرات إلى أن الحرب كانت تكلف الميزانية الأمريكية مليار دولار يومياً، واختلفت التقديرات حول الكلفة الإجمالية التي حددتها هيئات بـ55 مليار دولار. والحقيقة أنها قد تزيد على ذلك، خصوصاً بعد أن طالب «البنتاغون» بتمويل إضافي يصل إلى 200 مليار دولار بسبب الحرب، ما فتح المجال أمام نقاشات واسعة داخل أمريكا حول كلفة الحرب، وجدواها، فضلاً عن الخسائر التي تعرّض لها العراق، ودول لم تكن أطرافاً في الحرب، وتعرضت لإرهاب المسيّرات والصواريخ الباليستية الإيرانية، مثل دول الخليج والأردن، أما لبنان فقد تم تفجير مبانٍ، وإحراق أراضي قرى جنوب الليطاني، بعد أن تم احتلالها وعزلها عن باقي الأرض اللبنانية، وبعدما طال التدمير أنحاء متفرقة من العاصمة بيروت، وكل قرية ومدينة تقع جنوبها.
السالف ذكره هو الخسائر المباشرة، أما الخسائر غير المباشرة فقد امتدت إلى جميع دول العالم، بعد أن ارتفع سعر الغاز بما يزيد على الضعف، خصوصاً في دول أوروبية، وارتفع النفط بنحو 49%، وعاش حالة من التأرجح، صعوداً وهبوطاً، حسب تصريحات قادة الدول المتحاربة. وحسب حالة مضيق هرمز الذي تحوّل من ممرّ مائي وملاحي عالمي، إلى ورقة تعبث بها الأيادي الإيرانية، وتطمع في السيطرة عليه الولايات المتحدة، ويلقي الصراع عليه بظلال قاتمة على الاقتصاد العالمي.
كان هدف الحرب في البداية هو القضاء على قدرات إيران النووية والباليستية وتغيير نظامها السياسي، وأصبح أهم أهداف الحرب اليوم هو مضيق هرمز، الذي تسبب الوضع فيه بخلخلة تحالفات كبرى، وأهمها دول حلف الناتو، والعلاقات الأمريكية الأوروبية التي ينتظرها مستقبل غامض.
إن وضع المضيق أصبح هو الخبر الأهم في كل نشرات الأخبار حول العالم، والبند الأهم في مفاوضات إسلام آباد، والموضوع الأهم في مباحثات قادة ورؤساء العالم، بعد أن أسفر العبث به إلى ارتفاع أسعار الوقود بنسب متفاوتة في مختلف الدول، خصوصاً بعد عرقلة نقل 20% من النفط العالمي، وتهديد تشغيل المصانع، وإنارة المدن والشوارع والمنازل؛ كما أدى الوضع في المضيق إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسب مختلفة في قارات الدنيا، بعد عرقلة نقل الأسمدة من منابع إنتاجها إلى الدول المستوردة لها، ما أثّر في المحاصيل الزراعية، وفي التبعية المواد الغذائيّة، بل وأعاد أكثر من 30 مليون شخص من المزارعين إلى الفقر، حسب تقديرات أممية.
الحرب التي تتلوّن كل يوم بلون لا نعرف لعواقبها نهاية، بعد أن تركت آثارها في الوقود والغذاء وحركة الصناعة والسياحة في دول مختلفة، ورفعت نسب البطالة والتضخم، وخفّضت مؤشرات النمو، وامتدت آثارها إلى أساس اقتصاد دول، كما أقرّ بذلك المستشار الألماني، وإذا كان الوضع كذلك في دولة مثل ألمانيا، فما بالكم بالدول الفقيرة والاقتصادات الناشئة؟.
