هل كان التنوير في جوهره ظاهرة اجتماعية أم فكرية؟ لقد شاع في الآونة الأخيرة، خصوصاً في معسكر ما بعد الحداثة، التقليل من شأن التنوير، كونه منحازاً وسطحياً ومضللاً للذات ومسرفاً في التفاؤل، وأوروبي التمركز، في مقابل ذلك هناك إنكار لمثل هذه الأفكار، التي تسيء الفهم، فالتنوير كان وسيظل إلى حد بعيد العامل الأكثر إيجابية في تشكيل الواقع المعاصر ومسارات الحداثة، التي يرغب في دعمها والإسهام فيها كل من يأمل في العيش وفق مقتضيات العقل.
في كتابه «التنوير متنازعاً فيه.. الفلسفة والحداثة وانعتاق الإنسان 1670 - 1752» (ترجمة د. محمد زاهي المغيربي ود. نجيب الحصادي) يرى جوناثان آي. إزرايل أنه من بين المسائل الأكثر خلافاً في ما يتعلق بفهم التنوير في السنوات الأخيرة، تلك المثارة حول علاقة التنوير بصناعة الثورات.
وهي مسألة مرتبطة بدورها بشكل وثيق بمسألة علاقة التنوير بالحداثة بوجه أعم، وعلى الرغم من غرابة الأمر، غالباً ما يزعم منذ نهاية القرن السابع عشر، حتى منتصف القرن العشرين في الكتب والصحف والخطب، أن الفلسفة هي التي سببت من قبل وتظل تسبب قيام «ثورة شاملة» في أوضاع الإنسان.
في العقود الأخيرة أصبح من غير المألوف، وبشكل متزايد وراسخ عند المؤرخين في كل من أمريكا وأوروبا، تفسير الثورة الفرنسية، أعظم حدث في مطلع الحداثة، على أنها نتيجة لأفكار، وقد أسهمت العقيدة الماركسية بتوكيدها التمييز بين الواقع الاقتصادي والبنية الفوقية التي تتضمن الثقافة، في خلق هذا المعتقد الذي كان سائداً إلى حد كبير.
يرى المؤلف أنه قبل عام 1789 وبعده كان الناس يؤكدون أنهم لا يعرفون شيئاً عن الفلسفة، ولا يقيمون اعتباراً لها، لقد كان الفلاسفة هم المسؤولون أساساً عن نشر مفاهيم التسامح والمساواة والديمقراطية وقيم الجمهورية، والحرية الفردية وحرية التعبير والصحافة، وبالمجمل حزمة الأفكار التي أطاحت، أو كادت تطيح بالسلطة والتقليد والملكية والعقيدة والامتيازات، ولهذا فإن الفلاسفة بوجه خاص هم من سبب الثورة.

تقويم


يقول المؤلف: «كنت في كتابي السابق «التنوير الراديكالي» قد شرعت أصف كيف أن المناظرات الفلسفية، في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، قد أنتجت الطرف الراديكالي من التنوير الغربي، أما هنا فهدفي هو تأمين إعادة تقويم أوسع وأعم بكثير للتنوير، كما تطور في ضوء توكيد خاص لثنائية التنوير الأساسية، أي الصراع الداخلي بين الميول المتعارضة، التي قسمته، دائماً وبشكل أساسي، منذ البداية حتى النهاية، إلى معسكرات فكرية متعارضة، لا سبيل لعقد مصالحة بينها».
غاية هذا الكتاب أن يكون عملاً مرجعياً يمكن جمهور القراء، فضلاً عن الطلاب والباحثين المحترفين، من فهم أفضل لما كانت عليه أفكار التنوير حقيقة، وينكر في الوقت نفسه أن تكون العوامل الاجتماعية والثقافية والمادية أكثر أهمية للمؤرخين مع الدوافع الفكرية، إذ يتعين إقامة موازنة حقيقية تبين كيف أن الأفكار والسياق السياسي – الاجتماعي يتفاعلان.