صدر الجزء الأول من كتاب «إما.. أو» للفيلسوف الدانماركي، سورن كيركجورد، حيث استغرق من مترجمه قحطان جاسم حوالي ثلاث سنوات من العمل فقد نقله من الدانماركية مباشرة إلى العربية.

يؤكد جاسم أنه لا يمكن أن نفهم عالم وحياة سورن كيركجورد (1813-1855) دون أن نفهم علاقته العاطفية بريجينا أولسن (1822-1904) أولا، وما تركته هذه العلاقة من تأثير كبير فيه، ثم تحول هذه العلاقة، ثانيا، إلى واحدة من قصص الحب العالمية الشهيرة الخالدة.

سيكون من الصعب الإلمام بشكل تفصيلي بعالم كيركجورد الفكري دون الخوض في هذه القصة، رغم أن ذلك لا يعني انعكاسها انعكاساً فوتوغرافياً مباشراً، بحيث يتم إيجاز محتويات النص وتفاصيله الفكرية والأدبية بهذه القصة.

بقي كيركجورد حتى مماته عاشقاً لريجينا، وقد أوصى في رسالة لأخيه بيتر، طلب منه عدم فتحها إلا بعد وفاته: «أخي العزيز، هذه بالطبع إرادتي وهي أن ترث خطيبتي السابقة السيدة ريجينا شليغل أي شيء أتركه على قِلّته».

«وإذا كانت هي نفسها لا تريد قبوله، فينبغي سؤالها عما إذا كانت راغبة في إدارته لتوزيعه على الفقراء، ما أود أن أعبر عنه هو أن الخطوبة كانت بالنسبة إليّ ولا تزال ملزِمة تماماً مثل الزواج، وبالتالي فإن تَرِكتي هي من استحقاقها، كما لو كنتُ متزوجاً منها».

بقي صدى هذه العلاقة بينه وبين ريجينا، وما نتج عنها من معاناة يتردد في معظم كتبه وحياته، وقد بدأ في تسجيل ذلك في كتابه الأهم «إما.. أو» حيث تتغلغل فيه تفاصيل خبرات كيركجورد الشخصية المؤلمة في علاقته بريجينا، وما تلاها من شغف وعاطفة وتوق معذب، فالعشق، الشوق، الغيرة، الحب والكراهية، ، تمثل جميعها بعض تفاصيل ذلك العمل.

شخصيات

يشتمل كتاب «إما.. أو» الذي يتكون من جزأين، على حزمة أوراق، عثر عليها الناشر، في أحد أدراج طاولة كتابة قديمة، اشتراها من محل للأدوات المستعملة، وعليها أسماء أربعة كتّاب مستعارين، وأطلق عليه اسم «أ» الذي يمثل الجمالي، وهو شخصية كئيبة شاعرية شابة، يعيش يومه بشكل سطحي، ويكن احتراماً كبيراً لموزارت. يكتب شعراً ويلقي أطروحات «لزميل الموتى» ويترك انطباعاً بأنه إنسان تعيس مسكين، رغم شبابه الغض، يصيبه اليأس أحياناً، ويشعر في الأساس بأنه قد انتهى من الحياة.

وإلى جانب «أ» يوجد الكاتب السري ليوميات الغاوي، التي يُختتم بها الجزء الأول من الكتاب، ويلاحظ وجود «تشابه كبير بين محتوى الرسائل وتواريخها، التي كتبها كيركجورد إلى ريجينا، وتضمنتها أوراقه الخاصة.

الكتاب واحد من روائع الأدب العالمي الفلسفي، ويمثل الأساس لفهم فلسفة كيركجورد وتصوراته الفكرية والجمالية والدينية والنقدية في كتبه اللاحقة.

ولد كيركجورد في كوبنهاجن وكما يقول كان الشغل الشاغل لديه أن يثير الإشكالات دون الإجابة عنها، فهو لم يكن يعتبر نفسه فيلسوفاً، رغم أن الكثير من أفكاره كانت منطلقاً أساسياً للفلسفة الوجودية، كانت اللبنة الأولى التي انطلق منها «ياسبرز» و«هايدجر» في فلسفتهما الوجودية.

في عام 1830 أنهى كيركجورد تعليمه الثانوي، وشرع في قراءة اللاهوت والفلسفة وعلم الجمال، وكان من الطبيعي أن يجتاز امتحانه النهائي في اللاهوت سنة 1835، لكنه آثر أن ينقطع عن الدراسة نتيجة للقلق والتشوش الذهني الذي كان يعانيه، ليأخذ قسطاً من الراحة للعلاج، وكانت تلك فرصة ليصوغ مذكراته.

يقول: «تربيت على نحو جنوني، وحتى في طفولتي المبكرة قيدتني انطباعات حطت علي من سوداوية الرجل العجوز الذي كان هو نفسه محاصراً بها، لقد كنت طفلاً تربى بجنون».

تقدم كيركجورد لخطبة ريجينا أولسن وفي اليوم التالي كان الندم يحاصره لإقدامه على مثل تلك الخطوة، لقد خشي ألا يكون في قدرته إسعاد من يحب، فقرر بعد صراعات وأزمات أن يفسخ خطوبته سنة 1841 تاركاً لها رسالة وداع: «سامحي إنساناً غير قادر على تحقيق السعادة لفتاة».

في العام الذي فسخ فيه خطوبته كتب أطروحته للدكتوراه بعنوان «مفهوم التهكم عند سقراط» وأعلى فيها من شأن سقراط في تاريخ الفلسفة والعالم وأكد على أهمية التهكم السقراطي كونه يشير إلى موقف سلبي تجاه الأخلاقيات والفكر في عصره.