د. باسمة يونس
بدأت القراءة كنافذة صغيرة يطل منها الإنسان على العالم، ثم أصبحت أفقاً مفتوحاً يعيد من خلاله تشكيل هذا العالم. ويتجلّى الفرق العميق بين نوعين من القراءة: القراءة الحرة والقراءة المتحررة، فالأولى هي اختيار ما نقرأ لتوسيع الأفق، والثانية الوعي بما نقرأ لتعميق الرؤية.
القراءة الحرة هي تلك اللحظة التي يمد فيها القارئ يده إلى كتاب ما ليبدأ معه صداقة دون تخطيط ويتنقل بين الكتب كما يتنقل بين المدن، يختار ما يشاء، ويترك ما يشاء، ويكتشف ذاته عبر ما يستهويه، حيث لا سلطة إلا للفضول، ولا معيار إلا للمتعة والمعرفة.
لكن هذه الحرية الجميلة تبقى سطحية إن لم تستكمل بخطوة التحرر، فالقراءة المتحررة ليست مجرد اختيار ما نقرأ، بل هي مساءلة ما نقرأ ولحظة يقف فيها القارئ أمام النص لا بوصفه مستهلكاً، بل شريكاً في إنتاج المعنى، لا يكتفي بالفهم، بل يسأل: لماذا؟ وكيف؟ وهل يمكن أن يكون الأمر مختلفاً؟
في القراءة المتحررة، لا ينحني القارئ أمام الكلمات ويقبلها كما هي، بل يحاورها ويختبرها، وقد يعارضها، لأنه لا يبحث فقط عن المعنى الذي أراده الكاتب، بل عن المعاني الممكنة التي لم تكتب بعد لتصبح القراءة فعلاً إبداعياً لا يقل شأناً عن الكتابة نفسها.
والقراءة الحرة قد تمنحنا أجنحة لنطير لكن القراءة المتحررة تعلمنا كيف نوجه هذا الطيران، وهنا يأتي السؤال الجوهري، عن نوع القراءة التي نريد أن يتعلمها أبناؤنا؟
هل نريدهم قراء يملؤون أوقاتهم بالكتب، أم عقولاً قادرة على تفكيك العالم وإعادة تركيبه؟ هل نريدهم أن يستهلكوا المعرفة، أم يشاركوا في إنتاجها؟
إن الاكتفاء بتعليم القراءة الحرة وحدها، رغم أهميته، قد يخلق جيلاً قارئاً لكنه غير ناقد، واسع الاطلاع، لكنه محدود التأمل، يقفز مباشرة إلى القراءة المتحررة دون تأسيس حب القراءة، وهنا، يتحول النص إلى عبء، ويصبح التفكير النقدي مهمة ثقيلة بدل أن يكون متعة، والطريق الأمثل ليس في الاختيار بينهما، بل في جمعهما ضمن مسار تربوي متدرج يبدأ بقراءة حرة ومع نضج الطفل نفتح أمامه أبواب القراءة المتحررة، ليتعلم كيف يسأل، وكيف يشك، وكيف يرى ما وراء السطور.
نعلمه أن الكتاب وجهة نظر وأن الكاتب ليس سلطة، بل صوت من بين أصوات عديدة والقراءة ليست نهاية المعرفة، بل بدايتها.
إن هدفنا ليس تخريج قراء فقط، بل تخريج مفكرين، لم تُحشَ عقولهم بالمعلومات، بل بالقدرة على التفكير والعمق في الفهم وشجاعة التساؤل.
والقراءة التي نطمح إليها ليست مجرد فعل يومي، بل مشروع إنساني متكامل يبدأ بالحرية، وينضج بالتحرر، يبدأ بالاختيار، ويكتمل بالوعي. قراءة تجعل الإنسان لا يرى العالم كما هو فحسب، بل كما يمكن أن يكون.
[email protected]