السجادة المهترئة.. حين يصبح التفاوض اضطراراً

00:05 صباحا
قراءة 3 دقائق

في الذاكرة السياسية، ارتبط التفاوض الإيراني بما يمكن تسميته ب «تكتيك السجادة الفارسية»: صبر طويل، استنزاف للوقت، ومراهنة على إنهاك الخصم قبل الوصول إلى أي نتيجة.
هذا الأسلوب لم يكن عبثياً، بل كان جزءاً من مدرسة تفاوضية متراكمة منذ ما بعد الثورة عام 1979، حيث أدارت طهران أزماتها الكبرى، من أزمة الرهائن إلى الملف النووي، بعقلية كسب الوقت قبل كسب الموقف.
لكن ما يحدث اليوم مختلف، المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، وسط ظروف إقليمية معقدة وضغوط عسكرية واقتصادية غير مسبوقة، تكشف أن «السجادة» التي طالما نسجت بها إيران صبرها التفاوضي، بدأت تتآكل، لم تعد تلك الأداة فعّالة كما كانت، لأن البيئة التي كانت تسمح بإطالة أمد التفاوض قد تغيّرت جذرياً.
التاريخ القريب يقدم شواهد واضحة، في مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015، استطاعت إيران أن تمد المفاوضات لسنوات، مستفيدة من تباينات الموقف الدولي، ومن رغبة الإدارة الأمريكية آنذاك في تجنب التصعيد، النتيجة كانت اتفاقاً منحها متنفساً اقتصادياً مؤقتاً.
لكن بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، وإعادة فرض العقوبات، بدأت المعادلة تتبدل، لم يعد الوقت حليفاً لإيران كما كان، بل أصبح عبئاً عليها، الاقتصاد الإيراني دخل في حالة ضغط مزمن، تضخم مرتفع، تراجع العملة، وقيود خانقة على قطاع الطاقة.
خلال الشهر الأخير وقبل ذلك في يونيو الماضي، ومع تصاعد المواجهة العسكرية غير المباشرة، تلقت إيران ضربات نوعية، سواء على مستوى البنية التحتية أو عبر استهداف أدواتها الإقليمية، هذه الضربات لم تكن فقط عسكرية، بل استراتيجية، لأنها أصابت أحد أهم أعمدة التفاوض الإيراني، القدرة على التهديد والضغط عبر الوكلاء.
في هذا السياق، يصبح حضور وفد إيراني رفيع المستوى إلى طاولة تفاوض يقابله نائب الرئيس الأمريكي، مؤشراً لا يمكن تجاهله... فطهران، التي كانت تفضّل دائماً المفاوضات غير المباشرة أو منخفضة التمثيل، تجد نفسها اليوم مضطرة لرفع مستوى الحضور... وهو في علم التفاوض إشارة على جدية الحاجة، لا على رفاهية الخيارات.
كالعادة، تحاول الآلة الإعلامية الإيرانية تقديم صورة مغايرة، صمود، قوة، ومفاوضات من موقع الندية، لكن قراءة الواقع تشير إلى فجوة واضحة بين الخطاب والظرف.
فالنظام الذي بنى جزءاً من شرعيته على فكرة «المقاومة» يواجه اليوم اختباراً صعباً... هل يستطيع الاستمرار في الخطاب نفسه بينما يذهب عملياً إلى طاولة تفاوض تحت ضغط متعدد المستويات؟
التجارب التاريخية تقول إن الأنظمة الأيديولوجية لا تعترف بسهولة بالتحولات، لكنها في لحظات معينة تضطر إلى التكيّف.
حدث ذلك مع إيران نفسها عندما قبلت بوقف الحرب مع العراق عام 1988، في ما وصفه الخميني ب «تجرّع كأس السم»... لم يكن القرار انعكاساً لرغبة، بل لواقع فرض نفسه.
وصف المفاوضات بالاستسلام قد يبدو حاداً، لكنه يقترب من توصيف لحظة التحول.. الفارق هنا أن الاستسلام لا يُعلن دائماً، بل يُدار تدريجياً عبر تنازلات محسوبة، يُعاد تغليفها سياسياً وإعلامياً.
إيران اليوم لا تفاوض من موقع القوة التقليدي الذي اعتادت عليه، بل من موقع يحاول تقليل الخسائر، وإعادة ترتيب الأوراق، وربما شراء وقت.. ولكن ليس كما في السابق، بل وقت لإعادة التموضع، لا للمراوغة.
أخيراً.. يبدو أن السجادة الفارسية التي طالما كانت رمزاً للصبر والدقة في التفاوض، تبدو اليوم مهترئة، ليس لأن الإيراني فقد مهارته، بل لأن البيئة التي كانت تمنحه هذه الأفضلية لم تعد قائمة.
في عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة، لا يكفي أن تجيد فن الحياكة.. بل يجب أن تمتلك الخيط نفسه، والنظام الإيراني اليوم، أمام اختبار حقيقي، فهل يدرك أن قواعد اللعبة تغيّرت؟ أم أنه سيواصل التفاوض بذهنية الماضي.. حتى يفقد ما تبقى من أوراقها؟

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"