ترى دراسات كورية حديثة أن الابتكار السريع في الصين قد أبرز الفجوات الهيكلية بينها وبين كوريا الجنوبية في مجالات البطاريات والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.
ولسنوات استمدت كوريا الجنوبية طمأنينتها من تفوقها التكنولوجي على الصين ونبع ذلك من افتراض كوري: أنه قد تتوسع الصين بوتيرة أسرع، لكن كوريا ستبقى متقدمة في التقنيات الأكثر أهمية: أشباه الموصلات، والتصنيع الدقيق، والبطاريات الثانوية. وأن هذا الافتراض لم يعد صحيحاً.
يشير أحدث تقييم حكومي كوري جنوبي أجرته وزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات من أن اتساع الفجوة بين الصين وكوريا ليس مؤقتاً، بل يشير إلى تفوق الصين في مجالات كانت كوريا تعتبرها سابقاً أرضاً حصينة. وأن القدرة التكنولوجية الشاملة للصين تتجاوز نظيرتها الكورية بفارق 0.7 سنة، بعد أن كانت 0.2 سنة فقط قبل عامين. وأن الخسارة الرمزية تكمن في مجال البطاريات. ففي عام 2022، كانت كوريا متقدمة على الصين بفارق 0.9 سنة في تكنولوجيا البطاريات الثانوية. وبحلول عام 2024، احتلت الصين الصدارة، تاركةً كوريا متأخرة بفارق 0.2 سنة. كان هذا آخر مجال استراتيجي لا تزال كوريا تحتفظ فيه بريادة عالمية واضحة.
ويظهر التقييم أنه لا تزال كوريا الجنوبية تهيمن على سوق رقائق الذاكرة، لكن في مجال الرقائق والشاشات عموماً، تفوقت الصين عليها نسبياً، حيث بلغت حصتها 91.5% وفق المعيار الأمريكي مقابل 91.2% لكوريا. ورغم أن الفارق ضئيل، إلا أن هذا التحول يحمل دلالات مهمة للاقتصاد الكوري القائم على المصداقية التكنولوجية. ويؤكد التقييم أن هذا التحول واضح لا لبس فيه. ففي 136 تقنية أساسية ضمن 11 مجالاً استراتيجياً، تحتل كوريا الجنوبية الآن المرتبة الأخيرة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين واليابان. وفي مجموعة أضيق تضم 50 تقنية استراتيجية وطنية، تتفوق كوريا الجنوبية على الصين في ست تقنيات فقط، بعد أن كانت تتفوق عليها في 17 تقنية عام 2022. كما تراجعت أيضاً في مجالات أخرى مثل التكنولوجيا الحيوية المتقدمة والطاقة النووية من الجيل التالي.
وما يلفت الانتباه في السباق التكنولوجي العالمي هو متغير السرعة. فخلال العامين الماضيين، قلّصت الصين الفجوة التكنولوجية مع الولايات المتحدة بمقدار 0.8 عام، بينما حققت كوريا نصف هذا المعدل. وفي مجال الذكاء الاصطناعي، الذي يُعدّ اليوم محرك التقدم في مختلف القطاعات، تقترب كوريا من الولايات المتحدة بنسبة 80.6%، . أما الصين، بنسبة 93%، فهي أقرب وأسرع.
يبرر التقييم أسباب تلك الفجوة مع الصين في عدد متنوع من العوامل لعل من أبرزها:
(ا) تعاملت الصين مع الابتكار كحملة وطنية. ويتجاوز الإنفاق السنوي على البحث والتطوير (159 مليار دولار). ويعمل نحو 1.44 مليون باحث ضمن شبكة كثيفة تضم حوالي 470 منصة بحثية على المستوى الوطني. فالمساعي التكنولوجية الصينية متواصلة، وتحافظ على زخمها.
(ب) أن الصين انتقلت من التركيز على الإنتاج إلى التركيز على بناء منظومات متكاملة. ففي مجال أشباه الموصلات، عززت الصين قدرتها التنافسية في تصميم الرقائق، والتغليف المتقدم، ورقائق الذكاء الاصطناعي، حتى في ظل قيود التصدير التي فرضتها الولايات المتحدة خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب. لم يعد الذكاء الاصطناعي قطاعاً قائماً بذاته، بل أصبح محركاً أساسياً للروبوتات، وتقنيات الكم، والتقنيات الحيوية المتقدمة.
(ج) لقد انتهى النموذج الرأسي القديم، حيث كانت كوريا هي المصمم والصين هي المصنع.
وأصبحت المنافسة الآن أفقية، بين منظومات متكاملة. ومع ذلك، لا تزال القوانين واللوائح في كوريا تسير بوتيرة بطيئة، مما يُبطئ وتيرة التجارب والتوسع.
(د) يعد نقص الكفاءات العائق الأكبر أمام كوريا. ففي هذا العام، رفض الطلاب المقبولون في برامج الهندسة المرتبطة بالصناعة في الجامعات الكورية المرموقة الالتحاق بها، على الرغم من ضمان وظائف شبه مؤكدة في شركات كبرى مثل سامسونج للإلكترونيات وإس كيه هاينكس. واختار الكثيرون من الطلاب دراسة الطب بدلاً من ذلك. من منظور شخصي يُعدّ هذا الخيار منطقياً. فالطب يوفر الاستقرار والدخل والمكانة التي لم تعد وظائف البحث العلمي تضمنها. أما من منظور وطني، فهو يُضعف القاعدة العلمية في الوقت الذي تشتد فيه المنافسة. تُخرّج الصين نحو خمسة ملايين مهندس سنوياً، وتكتشف المواهب المتميزة في وقت مبكر. في المقابل، يتقلص عدد الخريجين في كوريا.
لا يعني هذا أن مسيرة كوريا التكنولوجية قد انتهت. فما زالت البلاد تحتفظ بنقاط قوة في رقائق الذاكرة، والعمليات المتقدمة، والتسويق العالمي. لكن الاعتقاد بالتفوق التلقائي قد تلاشى.
* أستاذ العلوم السياسية والاقتصادية