كنا صغاراً نقف أمام العلم كل صباح، ننشد «عيشي بلادي عاش اتحاد إماراتنا»، ونردد «وطننا من المحيط إلى الخليج أملنا أمة عربية واحدة نموت لتحيا دولة الإمارات العربية المتحدة». لم نكن نعي تلك الكلمات، ولا نفقه لماذا علينا أن نرددها كل صباح، ولم نكن ندرك أن تلك اللحظات الصغيرة كانت تزرع فينا شيئاً أكبر من الكلمات، وأنها كانت تبني في داخلنا أولى ملامح الانتماء، وتغرس في قلوبنا حب الوطن دون أن نشعر.
كبرنا، وكبر معنا المعنى. صرنا ندرك قيمة الوطن، ومعنى العلم، وأهمية الأمن والأمان على هذه الأرض الطيبة. لم تعد الكلمات مجرد ترديد، بل أصبحت قسماً للإخلاص لدولتنا الغالية، نعيشه قبل أن ننطقه. نعم، ترسخت كل معاني الوفاء والعزة والكرامة، حتى جرى اسم دولة الإمارات العربية المتحدة في عروقنا كما يجري الدم.
منذ أربعة وخمسين عاماً، ووطننا يعيش تحت ظل حكامه العظام في استقرار وطمأنينة، حتى جاءت لحظة حاول فيها العدو الإيراني الغاشم أن يهز هذا الكيان، دون أن يدرك أن هذه الدولة المغرية الجميلة لا تؤكل من الكتف، ولا تقع بسهولة. فهي دولة جلدها غليظ، ولحمتها مرة، دولة أسسها رجال غرسوا القوة في أبنائها، وسلحوها بالعلم قبل العتاد، وبالحكمة قبل كل شيء.
ها نحن اليوم، وبعد أن انجلت الغمة وانزاحت الشدة، نرفع علم بلادنا فوق كل بيت ومبنى، كما رفعناه في قلوبنا منذ نعومة أظفارنا. نقف بثباتٍ ويقين، نستحضر ما تربينا عليه من حب الوطن والوفاء له، ونردد: نفديك بالأرواح يا وطن. ولم تكن تلك الحرب لتعطل مسيرتنا أو تعرقل حياتنا، بل جاءت لتعيد تشكيلنا من جديد، وتدفعنا لإعادة ترتيب أولوياتنا، ومراجعة علاقاتنا مع الجوار؛ فهناك من توقعنا منه الكثير فساندنا بأقل القليل، وهناك من حضر كما يليق بالمواقف، وبين هذا وذاك كانت دروس لم تكن في الحسبان، لكنها علمتنا الحذر والانتباه، وأعادت تعريف القرب والبعد في ميزان المواقف.
وطنٌ لم تهزه التحديات، بل زادته قوة وتماسكاً، وطن كتبنا اسمه في صدورنا قبل أن نكتبه على الجدران، ونقول له بكل فخر: حصنتك باسم الله يا وطن.