أصبح إبداء الرأي أسهل بكثير مما كان عليه في أي وقت مضى، لا يحتاج الأمر إلى تفكير طويل أو معرفة عميقة أو حتى تجربة شخصية، يكفي أن تسمع بالموضوع لثوانٍ حتى تجد نفسك قادراً على التحدث عنه، والحكم عليه بثقة تامة. وهذه السهولة بالأخص هي ما يستحق التوقف عنده؛ لأن الرأي حين يكلّف صاحبه الوقت والتفكير يكون عادة أكثر صدقاً وعمقاً.
الرأي الجاهز له علامات يسهل التعرف عليها حين نتأملها ونفكر فيها. فهو في العادة يأتي سريعاً جداً، قبل أن تنتهي القصة أو تكتمل الصورة أو تظهر التفاصيل. ثم إنه يأتي واثقاً، بلا تردد، ولا مساحة للشك، ولا اعتراف بأن الموضوع قد يكون أعقد مما يبدو. وغالباً ما يتطابق مع ما يُقال في المحيط القريب، كأنه نسخة من أفكار الآخرين، ولا يبدو أنه تفكير مستقل.
وكأن التسرع والإدلاء بالرأي والحكم، بات سلوكاً عاماً لدى الكثير. وما يجعل هذه الظاهرة تتطور وتتسع هو أن الصمت أصبح غريباً في كثير من السياقات، حين يُسأل شخص عن رأيه ويقول: لا أعرف بعد، أو أحتاج وقتاً لأفكر في هذا، يبدو أحياناً كأنه لا يتابع أو لا يهتم أو أنه ببساطة خارج الحوار. في حين أن هذه الإجابة بالأخص قد تكون الأكثر صدقاً ونضجاً من بين كل ما يُقال في تلك الجلسة.
ما يجعل الأمر أكثر تعقيداً هو أن الرأي الجاهز لا يؤذي صاحبه دائماً على المدى القريب، بل أحياناً يمنحه مكانة في وسط مجموعته، لكن، على المدى البعيد، يتشكل نمط تفكير يصعب كسره، نمطاً يقفز إلى الاستنتاجات، ويستغني عن التساؤل، ويشعر بالضيق حين تتعقد الصورة وتخرج عن الإطار الجاهز الذي رسم لها مسبقاً، ما يجعله أمراً سلبياً جداً، على المدى البعيد.
التفكير قبل الكلام، بلا شك، هو ليس مهارةً بسيطة، خاصة عندما تشعر برغبة داخلية بأن تكون جزءاً من المحادثة؛ لأنك سمعت شائعة أو تعرف معلومة لست متأكداً منها، لذلك فإن التفكير قبل الكلام أصبح أكثرَ صعوبة وندرة في الوقت ذاته. ربما يكون أجمل ما يمكن أن يقوله شخص حين يُسأل عن رأيه في موضوع لا يعرفه جيداً: لم أفكر في هذا بعد. ليست هزيمة، بل هي على الأرجح أصدق جملة يمكن أن تقال، وأن تكون غير موجود في محادثة ما، أفضل من أن يكون وجودك فيها مرتبطاً بآراء مغلوطة أو غير دقيقة.