قلت للقلم: ما لي أرى شفتيك، تدمدمان وتهمهمان، فيظل فكري وظنّي، يشمشمان ويحمحمان، فلا يلملمان غير الهباء؟ قال: ما كنت أحسبك كهفيَّ الملاحظة، رقيمي المراقبة، فمنذ الحلقة الأولى من مسلسل تداعيات أحجار الدومينو، وشفتاي، كأنما رُكّبت فيهما مسبحة، تظلّان تردّدان، بتردّدات عالية، أصدق مقولة جرت على لسان الثعلب هنري كيسنجر: «أن تكون عدوّاً للولايات المتحدة، فهذا خطر، أمّا أن تكون صديقاً لها، فهذا قاتل». لله درّها من درّة، حتى خشيت أن أمسي من مريديه. أليس من العجائب وجود شخص هنالك، يقول كلمة صدق عند ذي جبروت.
قلت: من دلائل رجحان العقل في بني جلدتنا، أنهم لا يأخذون عظائم الأمور على علّاتها، والطينات على بلّاتها، فحين قرعت المقولة طبلات آذانهم، تساءلوا: أينبغي لشاغل الدنيا بالسحر الأسود في السياسة، والتلوّن الحربائي في الدبلوماسيّة، أن ينبس بكلام، لو خطر على بال مسؤول في أنظمة طبائع الاستبداد، لرأيته «تبخّر في جوّها واندثر»، فأمّه هاوية؟ لا شك في أن الرواة حرّفوا بيانه، ولم يفقهوا لسانه، وذلك دأب الرواة منذ حمّاد الراوية وخلف الأحمر.
بالمناسبة: من طريف ما يروى عن الثعلب من دروس المكر المدوّخة، أنه كان يقول المعلومة نفسها لكل مسؤول عربيّ بطريقة تختلف عمّا يقوله لكل واحد. هكذا يزرع اختلاط الحابل بالنابل في الاستيعاب، فكل واحد يقول: إن الآخرين لم يفهموا.
قال: سرحت بنا بعيداً يا هذا، علينا العودة بقطيع الأفكار إلى حظيرة الموضوع. يعني أن القوم لم يصدّقوا الثعلب حين صدق. لم يدُر بخلد أحد من بني جلدتنا، خصوصاً أصحاب الفكر السياسي والدبلوماسي والجيوسياسي والجيوستراتيجي، أن يصيح بهم: إن الثعلب قال شيئاً عجباً، فلا تتوهموا أنه يهذي أو هو ممّن يتبعهم الغاوون. إنه أخطر من ماكيافيلي وميترنيخ، فعلينا دراسة القائمة الكاملة، بالترتيب الزمني، لكل العلاقات التي ربطت الإمبراطورية بأعدائها وأصدقائها على السواء. لكن، من منطلق أن المقولة تكشف لنا أن لهم أعداء، والأهم هو تجديد النظر في فهمهم للصداقة. هذه عيّنة: كبيرهم عند استقباله رئيسة وزراء اليابان، ذكّرها بقصة بيرل هاربر. وعندما التقى رئيسة المفوضية الأوروبية، فون در لاين قال لها: «إن الاتحاد الأوروبي تأسس لأجل الاحتيال علينا».
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكريّة: المقولة جملة، لكنها تحتاج إلى موسوعة بحوث ودراسات.
[email protected]