دعوات الطريق الثالث

00:45 صباحا
قراءة 3 دقائق



في تكراره لدعوة رئيس وزراء كندا مارك كارني مطلع العام، تحدّث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أيضاً عن تلاقي الدول الوسطية كنواة لما يمكن أن يكون «نظاماً عالمياً جديداً». ربما يكون كل ذلك بسبب سياسات إدارة الرئيــــس الأمريكــــي دونالد ترامـــب التــي تتباعد عن حلفاء الولايات المتحدة الغربيين ولا تأخذ في الاعتبار مصالحهم ومواقفهم من باب «أمريكا أولاً».
لكن التباعد عبر الأطلسي، وبداية نهاية النظام العالمي القديم تعود إلى عقود سابقة حتى قبل أن يظهر ترامب في الصورة قبل ترشحه للرئاسة الأولى منذ نحو عقد من الزمن.
والحقيقة أيضاً أن ذلك لا يرجع إلـــــى سياسات «فـــــك ارتباط» من جانب واشنطن، أو تضـــارب مصالح مع الشركاء خاصة الأوروبيين فحسب إنما كان ذلك تطوراً منطقيــــاً لا بعد نهايــــة الحرب الــــباردة وتفكــــك الكتلـــة الشرقية وانهيار النظام العالمي ثنائي القطبية.
منذ ثمانينات القرن الماضي، ورغم أنه لم تعــد هـــناك سوى قوة عظمى واحدة هي أمريكا إلا أنــــها لم تطـــور بشكــــل واضـــــح عالماً «أحادي القطــــب» تتفــــرد فيـــه بالقيادة للجميع. وظهر الحديث عن «عالم متعـــدد الأقطاب» وعن بروز الصين كقوة اقتصادية منافسة، ثم الحديث عن «الدول الصاعدة» التي حاولت أن تجد لها تجمعات مثل «بريكس» وغيرها من التكوينات.
بل إن دولاً في آسيا مثل الهند وبعض الدول الخليجية أصبحت ضمن «نادي الصاعدين» الذين يمكن أن يقعوا تحت وصف «القوى الوسطية» في العالم الذي تحدث عنه كارني وماكرون. مع ذلك، ومنذ نهاية القرن الماضي لم يصل العالم إلى تجاوز فترة «الميوعة» بين نظامين. 
أما حديث الرئيس ماكرون عن تجمع القوى الوسطية فكان أكثر تحديداً من دعوة رئيس الوزراء الكندي السابقة. فتصريح مارك كارني خلال حضـوره منتدى دافوس جـاء عقــب زيارته للصين، وكان عدد من القادة الأوروبيين توجهوا أيضاً إلى بكين في رد فعل واضح على تهديدات إدارة ترامب التجارية والاقتصادية والمالية للشركاء.
فهم في ذلك الوقت أن القوى الوسطية التي يقصدها كارنـــي ربما تشمــل الصين باعتبارهــا مــن الاقتصـــادات الصاعــــدة، ومعهـــا الهنــــد وأستراليا وغيرها. إلا أن ماكرون كان واضحاً بـــأن المقصود تلك القوى «التـــي لا تريــــد الاعتماد التام علـــى الصـــين» وليســـت بالضــــرورة تابعة للولايات المتحدة. 
وأضاف أن المقصــــود بدعوتـــه هو «طريق ثالث»، أي أنه قدر ثنائية قطبية حالياً، ولو عـــلى أسس اقتصادية، متمثلة في واشنطن وبكين.
يختلف ذلك بالطبع عما سُمي «كتلة عدم الانحياز» خلال الحرب الباردة والنظام العالمي ثنائي القطبية بين موسكو وواشنطن. فاستبعاد الصين من القوى الوسطية يُضعف تلك الدعوات لنظـــام جديـــــد لا تهيمـــن عليه أمريكا وتخضعه لتقلباتها في سياساتها العالمية.
أما الحديث عن الطريق الثالث فيذكرنا بالأكاديمي البريطاني الشهير أنتوني جيدنز، الذي أصدر في القرن الماضي كتاباً تحت هذا العنوان، وإن كان غلب عليه فكرة طريق ثالث اقتصادي. إلا أن تبني رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير لفكرة الطريق الثالث وهو في طريقه إلى فوز حزب العمال وتشكيله الحكومة في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي أعطى مفهوم «الطريق الثالث» بعداً سياسياً أيضاً.
لم تكن تجربة بلير كافية لتأسيس نهج فكري للمبدأ تم اختباره سياسياً على أرض الواقع، وكانت النتيجة إضعاف حزب العمال الذي حوّله بلير وغوردون براون إلى «العمال الجديد»، ففقد هويته التقليدية دون أن يكسب هوية حقيقية جديدة.
قياساً على ذلك، يصعب تصور أن تحقق دعوات الطريق الثالث في النظام العالمي الذي يتشكل قدراً كبيراً من الإنجاز لعدة أسباب. أولها أن الطريق الثالث يكون بين طريقين، ولا يوجد حالياً سوى الطريق الأمريكي. فالصين رغم تطورها الاقتصادي وقوتها الصاعدة لا تريد لعب دور دولي كالذي لعبه الاتحاد السوفييتي السابق مع الولايات المتحدة. ثانياً، يصعب تحديد من يوصف بقوة وسطية من بلدان العالم اليوم. وهكذا فإنه حتى «التحالف الفضفاض» بين دول أو مجموعات قد لا يرقى إلى قطب عالمي جديد.
[email protected]

عن الكاتب

يشتغل في الإعلام منذ ثلاثة عقود، وعمل في الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون والصحافة الرقمية في عدد من المؤسسات الإعلامية منها البي بي سي وتلفزيون دبي وسكاي نيوز وصحيفة الخيلج. وساهم بانتظام بمقالات وتحليلات للعديد من المنشورات باللغتين العربية والإنجليزية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"