من أين تعلّمتِ الذاكرة والحافظة المهارات الأرشيفية، فصار الشيء بالشيء يذكر؟ شدّني عنوان حوار شارك فيه المفكر السنغافوري كيشور محبوباني، فقفز الذهن إلى نصيحة وجّهها مهاتير محمد إلى بلدان العالم الإسلامي، وإذا بالخاطر ينصرف إلى الفرنسي، صديق العرب، كلود شيسون.
محبوباني، من المفكرين الذين لا يتكلمون كثيراً لكيلا يقولوا شيئاً، فإذا لقيته فاسمع وعِ. سنة 2008 تألق كتابه: «نصف العالم الآسيوي الجديد: التحول الحتمي للقوة العالمية نحو الشرق». وها هو العالم يرى، ويذوق في كل طلوع شمس غرائب جديدةً من خيانة الغرب للقيم التي روّج لها. الأشد مرارةً عنوان الحوار على يوتيوب، لقاء يعود إلى نوفمبر 2025. إنما حذار أن تأخذه على أنه إساءة. «صديقك من صَدَقك لا من صدّقك». قال ولو بقسوة: «متى سيتعلم العرب؟» كل الذين تجاوزوا سن العشرين من العرب، تردّد هذا السؤال في رؤوسهم مراراً. في تراثنا ثناء كثير على من يرينا عيوبنا. بيانه أمضى من السيوف حججاً، وهو شهد الرضاب، فيه شفاء للناس، من ضبابيّة الرؤية الحضارية، وعسر اتخاذ القرار عند التباس مفارق الدروب.
محبوباني يأخذ على العرب أنهم يقتفون آثار الغرب افتتاناً به، بينما عليهم أن ينهجوا نهج التنميات الشرقية. هذا ليس طرحاً، هذه أطروحة، عند التحليل، يدرك الفكر في مسك الختام، أنها فصل المقال. في مطلع القرن العشرين، أو قبله بقليل،عندما بدأ العرب يفكّرون في النهوض، كان المفكرون الغربيون يستشرفون بوادر سقوط الحضارة الغربية. من الألماني شبنغلر (تدهور الغرب)، إلى البريطاني كولن ويلسون (سقوط الحضارة)، وليس آخرهم، الفرنسي ميشيل أونفري (انحدار).
الهزة الفكرية المحبوبانية هي وَصْفهُ الحالةَ العربية، في ما يسميه القلم «التنميات المتعثرة»، بأنها أزمة نفسية، فيطالب العرب بأعجوبة: «ثورة نفسية». لكن الذهن انصرف إلى رئيس وزراء ماليزيا الأسبق، الذي زار دبي قبل ثلاثة عقود، تقريباً، ألقى محاضرة، أوصى فيها البلدان الإسلامية بأمرين: «إطلاق نهضة رياضيات وفيزياء من جهة، وصنع أسلحتهم بأنفسهم، من أخرى». كأن تاريخ النصائح يعيد نفسه، فوزير خارجية فرانسوا ميتيران، الموصوف بصديق العرب، كلود شيسون، نصح مصر والعرب بألاّ يقتفوا أثر الغرب في التنمية.
لزوم ما يلزم: النتيجة المرجعيّة: ثورة نفسيّة؟ ألا تصدح في أعماقك الآية الكريمة: «إن الله لا يُغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم»؟.
[email protected]