الذكريات ليست مسرحاً افتراضياً

00:21 صباحا
قراءة دقيقتين

هل ذاكرتك بخير إن شاء الله؟ ما الذي يُزوّم عليه ذهنك عندما تستعيد شريط ألعاب أيام الصبا؟ أمّا القلم فتلك المسلسلات الواقعية البعيدة، نحتت أداء دماغه على نحو لم يتغيّر على مرّ السنين، لذلك لم يقف قطّ في الزاوية الخطأ من التاريخ.
لا تظننّ أن الذكريات مسرح افتراضي. إنها محرّك الحاضر المستمرّ، والآتي. يروي القلم: قبل ثلاث وسبعين سنة، كنت في السادسة، عائداً من المدرسة، عصراً، أمشي أفقياً، ظهري ملاصق للجدران، فقد كان الرصاص يلعلع في الشارع الرئيسي لمسقط رأسي. في الطرف القريب مني، كان عساكر الاستعمار الفرنسي في اشتباك مع «الفلاّقة»، المقاومة الشعبيّة، في الطرف الآخر. فجأةً عبرت الطريق، عرضيّاً، بقرة بنيّة كأنها بنفسجيّة، فأصابتها رصاصة، فوقعت، لكنها ظلت شامخة الهامة بكبرياء، والدم يتدفق بفخر. تسمّرتُ في مكاني والدموع تتحدّر، لكن نظرات البقرة عاتبتني: ما أهونك على نفسك، ما لك تجزع وتفزع وأمامك ما يعيي الحاسبات من الحروب. تلك اللحظات كانت ميلاد موقفي الأبدي من كل ألوان الاحتلال والاستعمار والعدوان.
لا تحسبنّ أحداث الماضي برمجيات ثلاثية الأبعاد، أو ألعاب فيديو نامت على رفوف الخلايا العصبية. تختزنها الذاكرة في أيام الصبا مثل البذرة الضئيلة. بعد عشرات السنين، تنفخ فيها التصاريف من روح الخيال والفكر، فإذا البذرة شجرة سيكويا عملاقة. لعلك نسيت السيكويا. يتجاوز ارتفاعها 88 متراً. قطرها تسعة أمتار، وتعمّر خمسة وثلاثين قرناً.
ثمّة مشاهد في قاع الذكريات القديمة، يستعيدها المرء بمزيج من حنين وإشفاق، يقول: كم هي الطفولة عذبة في براءتها. لكنك إذا نظرت إليها بتأمّل عميق، أبصرت فيها ما ليس في الكتب. من أطرف ما تستعيده الذاكرة تلقائياً في الزلازل الجيوسياسية الكبرى وهزّاتها الارتداديّة، ألعاب الأزقّة، الله وكيلك، كأنك في المسرحية الدولية التي تدور فصولها منذ بضع سنوات. يروي القلم: «كان لأطفال زقاقنا «قبضاي» عنيد في سنّنا، ولكونه حادّ الطباع كثير الشجار مع أقرانه، كنّا نتجنّبه في الألعاب، فكان يصرخ: «ألعب أو أفسد اللعبة». ظل ذلك المشهد يحتدّ ويحتدم على الساحة الدولية، عبر حروب الجهات الأربع، حتى جاء من أقصى الأرض صائح: «كل ما في الكوكب لي، أو لترونّ الجحيم».
لزوم ما يلزم: النتيجة العرفانيّة: الأطفال ليسوا أجراماً صغيرة، فقد انطوى فيهم العالم الأكبر.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"