رؤية خليجية لتعزيز الأمن في مضيق هرمز

00:15 صباحا
قراءة 4 دقائق


د. صلاح الغول
أظهرت التطورات الأخيرة أن مضيق هرمز، على ضيقه الجغرافي، يمثل نقطة ارتكاز حرجة في النظام الاقتصادي العالمي، وأن أي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الأسواق العالمية، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الاقتصادي في مختلف دول العالم.
وما شهدناه من تعطيل إيران لحركة الملاحة، واستخدام المضيق ورقة ضغط سياسي وأداة ابتزاز اقتصادي، لا يمكن قراءته إلا بوصفه شكلاً من أشكال الحرب الاقتصادية، أو الإرهاب الاقتصادي، وانتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي وهو ما يفرض على دول مجلس التعاون الخليجي الانتقال من منطق الاستجابة الظرفية إلى تبني مقاربة استراتيجية شاملة، وواقعية ومتكاملة للتعامل مع المضيق في المستقبل المنظور.
بادئ ذي بدء، يتعين إعادة تعريف أمن الطاقة بوصفه «أمناً شبكياً»، يقوم على تنويع مسارات تدفق النفط والغاز وتكاملها. ويشمل ذلك تطوير منظومة إقليمية مترابطة من الممرات البحرية والبرية وخطوط الأنابيب، وتسريع مشاريع الربط بين موانئ الخليج العربي والبحر الأحمر، وتعزيز الاستثمارات في البنية التحتية البديلة لتلك المرتبطة بمضيق هرمز كالسكك الحديدية أو الموانئ التي لا تعتمد على المضيق بشكل أساسي، باعتبارها تأميناً استراتيجياً طويل الأمد لا خياراً تنموياً مؤجلاً.
علاوة على ذلك، ثمة ضرورة لتحييد الممرات البحرية عن طريق قيادة تحرك خليجي–دولي لتجريم استخدام الممرات البحرية أداة ضغط سياسي أو اقتصادي، وتعزيز الحضور الخليجي في المنظمات البحرية الدولية، وتطوير أطر قانونية أكثر إلزاماً لحماية حرية الملاحة، وبناء تحالفات إقليمية ودولية لحماية الممرات الحيوية، انطلاقاً من أن أمنها مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود المنطقة.
ويجب أنْ يتواكب ذلك مع تطوير منظومة ردع خليجية مشتركة، للحؤول دون تعطيل الممرات الحيوية وتوفير حماية لسلاسل الإمداد. ويتطلب ذلك تعزيز التنسيق الأمني البحري الخليجي وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوظيف التقنيات المتقدمة، خاصة الذكاء الاصطناعي، في رصد وتحليل التهديدات البحرية بشكل استباقي، وإشراك القطاع الخاص، ولاسيما شركات الطاقة والشحن، في تطوير آليات تأمين مشتركة لسلاسل الإمداد.
وقد أثبتت أزمة «هرمز» الراهنة أن التركيز على الكفاءة التشغيلية من دون بناء المرونة يمثل مخاطرة استراتيجية. ومن ثم، ينبغي تطوير مخزونات استراتيجية مشتركة إقليمياً تعزز القدرة على امتصاص الصدمات وذلك باعتبارها بنوك سلع ومواد احتياطي استراتيجي لدول الخليج، وتنويع الشركاء التجاريين ومصادر الإمداد، والاستثمار في البنية التحتية اللوجستية والموانئ، بما يدعم استمرارية التدفقات التجارية في مختلف السيناريوهات.
والواقع أن تحميل الأطراف المسؤولة عن تعطيل الملاحة الدولية كامل التبعات القانونية والاقتصادية يمثل ضرورة لضمان عدم تكرار مثــــل هــــذه الممارســات. ويتطلب ذلك دعم آليات دولية لتوثيق الانتهاكات والتحقيق فيها بصورة مستقلة، والعمل على تطوير أطر قانونية تتيح تعويـــض المتضرريــــن مـــن تعطيل الممــرات البحرية، وتوظيـــــــف الدبلوماسيــــــة الاقتصاديــة لضمــان التـــــزام الأطــراف المعنيـة بقواعـد القانون الدولي.
ويمكن لدول الخليج العربي إعادة صياغة دورها في سوق الطاقة العالمي عبر دبلوماسية طاقة نشطة تربط بين استقرار الإمدادات واستمراريتها وتنوعها، من خلال بناء شراكات طويلة الأمد مع الاقتصادات الكبرى تقوم على المصالح المتبادلة، وتعزيز دور دول الخليج العربي كمورد موثوق ومستقر للطاقة، وتقليل فرص تسييس الممرات الحيوية عبر ترسيخ الاعتماد المتبادل.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تبني مقاربة غير تقليدية تقوم على تحويل نقاط الضعف الجغرافية إلى أدوات نفوذ استراتيجي، وذلك عبر مسارين متكاملين، هما: استراتيجية الربط الدفاعي، وتطوير مؤشر خليجي فوري لمخاطر الممرات البحرية. ويقوم المسار الأول على ربط مصالح الدول المستهلكة الكبرى بشكل عضوي باستقرار الممرات البحرية، من خلال شراكات طاقة مهيكلة ومنصات لوجستية عالمية، بما يجعل أي تهديد لهذه الممرات تهديداً مباشراً لمصالح هذه الدول، وبالتالي محفزاً لتحرك دولي تلقائي لحمايتها. وبالنسبة لمسألة تطوير مؤشر خليجي فوري لمخاطر الممرات البحرية، فيقترح إنشاء منصة رقمية مشتركة تعتمد على البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لرصد المخاطر بشكل لحظي، وتوفير إنذارات مبكرة لصنّاع القرار والأسواق، بما يعزز الشفافية ويحد من تقلبات الأسواق الناتجة عن عدم اليقين.
بيد أنّ الأزمة الراهنة تقتضي تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة، خاصة الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، وتطوير شبكات الربط الكهربائي الإقليمي وممرات الطاقة البديلة، وتنويع مزيج الطاقة بما يعزز الاستقلالية الاستراتيجية لدول الخليج العربي.
وفي ظل متابعة الجهود الدولية لوقف التصعيد، تبرز أهمية ضمان التزام كامل بوقف الأعمال العدائية وإعادة فتح الممرات البحرية بشكل غير مشروط، وتطوير آليات رقابة دولية فعالة لضمان استمرارية حرية الملاحة، وإعداد خطط طوارئ خليجية مشتركة للتعامل مع أي انتكاسات محتملة.
إن ما شهدناه في مضيق هرمز لا يمثل أزمة عابرة، بل نقطة تحول استراتيجية تفرض إعادة بناء مقاربتنا لأمن الطاقة. 
ولم يعد هذا الأمن قابلاً للإدارة بمنطق الدولة المنفردة، بل يتطلب رؤية جماعية خليجية قائمة على التكامل والمرونة والابتكار.
وفي هذا الإطار، تواصل دولة الإمارات دورها في تعزيز كفاءة ومرونة الممرات الحيوية عالمياً، والاستثمار في البنية التحتية البحرية واللوجستية، بما يدعم سلاسل الإمداد والتجارة الدولية. 
كما تؤكد التزامها بالعمل مع شركائها لضمان أن تبقى الممرات المائية الدولية، وفي مقدمتها مضيق هرمز مفتوحةً.
[email protected]

عن الكاتب

كاتب متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الجيوسياسية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"