د. محمد السعيد إدريس
فجوة الثقة بين حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة منذ تفجر الحرب الإيرانية الأخيرة، وعزوف الدول الأوروبية الكبرى، خاصة فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا عن الاستجابة لطلب الرئيس الأمريكي للمشاركة مع القوات الأمريكية، لفرض ما تسميه بـ «المرور الآمن» في مضيق هرمز، ليست وليدة هذه الحرب، بل هي وليدة الولاية الأولى للرئيس ترامب (2017-2020) وعودته مجدداً للبيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني من العام الماضي، لذلك يصعب تصور أن تكون هناك حلول ناجعة لمعالجة أزمة الثقة بين الطرفين بعد توقف هذه الحرب، ربما يكون العكس هو الصحيح، أي أن أوروبا بعد انتهاء هذه الحرب ستواجه بما هو أسوأ، وما هو أسوأ ونعنيه هنا قد يكون ورد على خواطر بعض القادة الأوروبيين في أوقات الأزمة والخلافات الأوروبية – الأمريكية، لكنه أصبح واقعاً مريراً الآن وهو: أي مستقبل لحلف شمال الأطلسي؟ كيف سيكون الحلف «حلفاً أطلسياً» من دون عضوية الولايات المتحدة؟ هل يمكن تصور استمرار الحلف من دون الولايات المتحدة؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فماذا سيكون هذا الحلف، وممن سيتكون؟ هل من نفس الأعضاء بمن فيهم كندا غير الأوروبية وبريطانيا التي انسحبت من الاتحاد الأوروبي؟ أم أنه سيقتصر على دول الاتحاد الأوروبي، ومن ثم يتحول إلى «حلف أوروبي»؟
إذا كانت الإجابة هي نعم، فماذا ستكون العقيدة العسكرية لهذا «الحلف الأوروبي» ومن هم الأعداء؟ ومن هم الأصدقاء؟
هذا الخيار «النظري» معناه أن يتحول الاتحاد الأوروبي إلى «كتلة عسكرية»، ويكون هدفه الاستراتيجي هو فرض أوروبا قطباً دولياً منافساً على الزعامة الدولية في نظام محتمل تتعدد فيه الأقطاب، ابتداء من الأقطاب الثلاثة الكبرى: الولايات المتحدة والصين وروسيا، والأقطاب الجدد: الهند وأوروبا، وربما اليابان، وربما تدفع هذه التطورات الكوريتين (كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية) إلى التوحد، لتكوين قطب كوري كبير، قادر هو الآخر على المنافسة.
مثل هذه الاحتمالات، أو تداعيات الأفكار من المؤكد أنها تشكل عبئاً على الولايات المتحدة التي تسعـــــى إلى التوجه إلى احتواء القوة الصينية. فظهور نظام عالمي متعدد الأقطاب على النحو المذكور ليس في مصلحة الولايات المتحدة.
حتى الآن ليست هناك مؤشرات لتراجعات أمريكية محتملة في ما يخص العلاقة مع حلف شمال الأطلسي. فإذا كان الرئيس ترامب قد حذر حلف شمال الأطلسي من أنه «يواجه مستقبلاً سيئاً للغاية»، إذا تقاعس الحلفاء في مد يد العون بشأن فتح مضيق هرمز؛ فإنه، وبعد مرور أسبوعين على ذلك التحذير وجه انتقادات حادة لهؤلاء الحلفاء وخاصة فرنسا، وقال: إن عليهم تعلم المحاربة من أجل أنفسهم، لأن الولايات المتحدة لن تكون هناك لمساعدتهم بعد الآن.. تماماً كما لم يساعدونا. وفي اليوم نفسه، هاجم وزير الحرب الأمريكي «حلف الناتو» ووصفه: «لا يعتبر التحالف ذا قيمة حقيقية إذا كانت الدول التي تضمه غير مستعدة للوقوف إلى جانبك عند الحاجة». وفي اليوم التالي صعّد الرئيس ترامب هجومه المباشر على الحلف، ووصفه بأنه «نمر من ورق»، معتبراً أن مسألة «خروج الولايات المتحدة من معاهدة الدفاع المشترك أصبحت الآن أكثر من مجرد إعادة النظر في العلاقة مع الحلف».
الموقف الأمريكي المحتمل من الحلف بعد انتهاء الحرب الحالية على إيران حسمه ترامب حسب صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلاً عن مسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية. وهو أن الرئيس الأمريكي «يدرس خطة لمعاقبة بعض أعضاء حلف شمال الأطلسي الذين يعتقد أنهم لم يقدموا الدعم الكافي للولايات المتحدة وإسرائيل خلال الحرب على إيران»، وأن هذا يتضمن «سحب القوات الأمريكية من دول بالحلف تعدها واشنطن غير متعاونة في حربها على إيران».
السؤال الآن أضحى سؤالاً أوروبياً وهو: كيف سيتعامل قادة أوروبا أعضاء «الناتو» مع «خيار العقوبات الأمريكية»، الذي قد يصل إلى درجة الانسحاب الأمريكي من الحلف؟ هل لدى أوروبا القدرة والإرادة لاتخاذ قرار استراتيجي بفك الارتباط بالولايات المتحدة؟ أم أنها ما زالت لا تملك الإرادة لاتخاذ مثل هذا القرار؟ وما هي أسباب هذا العجز؟ أسئلة مهمة في حاجة إلى مزيد من البحث والتحليل.