يسهم التراث الثقافي في تحقيق الازدهار والنمو بالمجتمعات، فالتراث يعزز شعور الأفراد والمجتمعات بالانتماء، ويحفز الشعور بالهوية، ومن هنا تنبع أهمية الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الذي يصادف 18 إبريل من كل عام، بوصفه دعوة متجدّدة لحماية التراث الإنساني والتعريف به، وبجهود الجهات والمنظمات الدمختصة حول العالم، من أجل صونه للأجيال المتعاقبة.
وتُعد الإمارات نموذجاً عالمياً رائداً في صون التراث الثقافي غير المادي، إذ تصدرت المرتبة الأولى عربياً، وجاءت في المركز السابع عالمياً في عدد عناصر التراث غير المادي المسجلة في «اليونسكو». وتشمل القائمة عناصر تعكس الهوية العربية والإماراتية، مثل الصقارة، القهوة العربية، العيالة، السدو، والمجلس، الآهلة، البشت، وزفة العروس.
ويأتي إدراج هذه العناصر تتويجاً لجهود الدولة في صون التراث، وإبرازها على الساحة الدولية، إذ أُدرج فن «الآهلة» كملف وطني ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي بوصفه أحد الفنون الأدائية الشعبية المتوارثة في الدولة، إلى جانب تسجيل «البشت»، و«زفة العروس»، و«الكحل» كملفات عربية مشتركة، ما يؤكد عمق الروابط الثقافية التي تجمع دولة الإمارات بمحيطها الخليجي والعربي.
وحققت الإمارات، خلال السنوات الماضية حضوراً متزايداً في قوائم التراث الثقافي غير المادي لدى «اليونسكو»، تأكيداً لوجود حالة وعي متنام بأهمية صون الممارسات الحية التي تشكل هويـــة المـــجتمـع. فالــتراث غير المادي لا يقتصر على الفنون الأدائية فقط، كما يعتقد البعض، بل يمتد إلى العادات والتقاليد والمعارف المرتبطة بالطبيعة والحياة اليومية، وهي الجوانب التي تعكس عمق التجربة الإماراتية، وتنوعها.
ومن العناصر المسجلة في «اليونسكو» تقاليد إعداد وتقديم القهوة العربية، التي أدرجت ضمن القائمة التمثيلية للتراث الإنساني. فالقهوة في الإمارات ليست مجرد مشروب، بل طقس اجتماعي متكامل يرتبط بالضيافة والكرم، وتمارس وفق قواعد دقيقة تبدأ من تحميص البن وطحنه، وصولاً إلى طريقة التقديم في المجالس. وهذا الطقس يعكس منظومة قيم متوارثة، تقوم على الترحيب بالضيف وإعلاء شأن التواصل الاجتماعي.
عادات وتقاليد
تحضر «السدو» بوصفها حرفة تقليدية ارتبطت بالبيئة الصحراوية، إذ استخدمت النساء قديماً الصوف في نسج الخيام والأدوات المنزلية. و«السدو» ليس مجرّد منتج يدوي الصنع، بل معرفة متراكمة تنتقل بين الأجيال.
بينما تبرز «التغرودة» كأحد أشكال التعبير الشفهي المرتبطة بحياة البدو، حيث كان الشعر ينشد أثناء الترحال على ظهور الإبل. وعلى الرغم من بساطة هذا الفن، فإنه يعكس جانباً من الوجدان الجمعي، ويظهر كيف كان الصوت البشري وسيلة للتواصل والتعبير في بيئة مفتوحة.
ومن العناصر المهمة أيضاً تقاليد المجلس الذي يمثل فضاء، اجتماعياً وثقافياً، للنقاش وتبادل الرأي. وأسهم إدراج المجلس في قوائم «اليونسكو» في إبراز دوره كعنصر حي في الحياة اليومية، وليس مجرد إرث تاريخي.
مهارات متوارثة
تحظى ممارسات مثل الصقارة بمكانة خاصة، إذ تمثل علاقة فريدة بين الإنسان والطبيعة، وتعبّر عن مهارات متوارثة في تدريب الصقور والصيد بها. وأُدرجت الصقارة ضمن ملف دولي مشترك، ما يعكس بعدها الإنساني العابر للحدود، مع احتفاظها بخصوصيتها في البيئة الإماراتية.
ولا يمكن إغفال تقاليد مرتبطة بالمعرفة البحرية، مثل طرق الإبحار التقليدية، والغوص لاستخراج اللؤلؤ، وهي ممارسات شكّلت جزءاً أساسياً من الاقتصاد المحلي قبل اكتشاف النفط.