الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أمن الخليج من أمن الوطن العربي

20 أبريل 2026 00:16 صباحًا | آخر تحديث: 20 أبريل 00:17 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
كانت بلاد الخليج العربيّ، منذ مائة عامٍ، وما برحت حتّى اليوم مَطْمعاً للقوى العظمى في العالم، كما للقوى الإقليميّة الي وجدت في غياب المشروع العربيّ الجامع الفراغَ المنشود قصد الاعتياشِ منه وملئه. ثْواتُ المنطقة، خاصّةً مصادر الطّاقة، والموقعُ الجيوستراتيجيّ المميَّز عى امتداد واحدٍ من أهمّ الممرّات المائيّة التي تشهد على نسبةٍ عالية من حركة الملاحة التّجاريّة الدّوليّة، ثمّ الفرص الكبيرة التي تسمح بها اقتصاداتُ بلدان الخليج، بل والسّياسات الاقتصاديّة المتَّبعة فيها، أمام الاستثمارات الأجنبيّة قصد تعظيم الأرباح، ناهيك عن التّقدّم الهائل المتحقّق في مشاريع البنى التّحتيّة الارتكازيّة، الضّروريّة لكلّ نهوضٍ اقتصاديّ.. (جميعُها) عوامل تفسّر ذلك الطّلب المتزايد على المصالح في منطقة الخليج العربيّ من قِبل القوى المشار إليها، بمقدار ما تفسّر حالة الازدهار في النّموّ التي تشهد عليها بلدانُها في العقود الأخيرة.
من الطّبيعيّ أن يتكاثر الطّامعون، وأن تتنوّع صورُ أطماعهم متدرِّجةً من الابتزاز السّياسيّ والاقتصاديّ إلى العدوان العسكريّ. لذلك ما كان غريباً أن تشهد منطقة الخليج على ثلاث حروبٍ كبرى على ساحتها منذ ما يقلّ قليلاً عن نصف قرن، وأن يصيبها من الموت ودمار العمران ما أصابها منهما.
لذلك، أيضاً، كان من الطّبيعيّ أن يكون أمنُ الخليج في قلب هواجس بلدان الخليج العربيّة، ليس من باب حماية نفسها من المخاطر الخارجيّة والعدوان عليها فقط، بل لأنّ الأمن سلعةٌ استراتيجيّة حيويّة لا إمكانَ لأن يعيش اقتصاد وينمو ويزدهر، ولا أن تتدفّق استثماراتٌ من الخارج والدّاخل من دون استتبابه.
ولقد كان منطقُ المصالح نفسُه يقضي بأن يكون أمن الخليج في القلب من سياسات كلّ الدّول التي لديها مصالح في منطقة الخليج وشراكاتٌ اقتصاديّة مع دولها ومؤسّساتها، لكنّ ذلك إذا كان يَصِحّ نظريّاً، فهو ما لم يستقم له أمرٌ على الصّعيد العملي، حيث عانى ذلك الأمن الكثير الكثير من القوى الإقليميّة والدّوليّة التي كان يُفتَرض فيها مساعدة دول الخليج على حِفْظ أمنٍ يستفيد منه الجميع.
قادت تجاربُ بلدان الخليج مع مسألة أمنها الإقليميّ دولَها إلى مبادرةٍ جماعيّة قضت بتأسيس قيادة عسكريّة موحّدة عُرفت باسم «درع الجزيرة». كان ذلك قبل نيّفٍ وأربعين عاماً حين امتحنتِ الحربُ العراقيّةُ- الإيرانيّةُ أمنَ الخليج، بل هدّدتْه في الصّميم، وخاصّةً حينما باتتِ الملاحةُ التّجاريّة في مياه الخليج محفوفةً بخطر التّوقّف الكامل بعد تلغيمها. ثمّ ما لبثت فكرةُ أمن الخليج أن أخذت بعداً أوسعَ مدى حين وضعت الحربُ العراقيّةُ- الإيرانيّة أوزارها وحصل اجتياحُ الجيش العراقيّ للكويت (1990) واندلاع حرب «عاصفة الصّحراء» ضدّ العراق (1991).
إنّ نظام الأمن الذّاتيّ الخليجيّ، الذي مثّلتْه صيغةُ «درع الجزيرة»، لم يثبت مشروعيّته والحاجةَ إليه فقط، بل أثبت فاعليّته ونجاعته في صون الحدّ الأدنى الضّروريّ من الأمن الجماعيّ الخليجيّ أيضاً. ولعلّه وحده، اليوم، ما يمكن اعتبارُه المظهرَ اليتيم المصغَّر لفكرة الأمن القوميّ الجامع والمشترك الذي كان يُفترض أن يشمل البلاد العربيّة كلَّها منذ توافقت دولُها، قبل ثلاثة أرباع القرن، على العمل بأحكام «معاهدة الدّفاع العربيّ المشترك» (1950)، من غير تفعيلٍ منها، يوماً، لتلك الأحكام على هوْل ما واجهتْه من حروب واحتلالات!
على أنّ الأمن الذّاتيّ الخليجيّ يحتاج إلى أن يتعزّز أكثر ويَقْوى حالاً وشوكةً بأمن عربيّ رافدٍ، لأنّ التّحديّ الذي تواجهه أقطار الخليج العربيّ، إقليميّاً ودوليّاً، ضخمٌ وكبير ويُجاوِز قدْرات الإقليم الواحد منفرداً. ليس في صيغةٍ متوافَقٍ عليها لأمنٍ قوميّ في الخليج العربيّ ما يُخشى على الخليج العربيّ منها، فهي في رصيد أمنه تصُبّ لا محالة، وهو ممّا تقدّمه له من أمنٍ مستفيدٌ أعظمَ الاستفادة. إلى ذلك، يُوفّر وجودُ صيغِ منظومةٍ أمنيّة عربيّة لمنطقة الخليج العربيّ توازناً في القوى الإقليميّة مطلوباً، والأهمّ من ذلك يكرّس الحقيقة التي لا مندوحة عن التّشديد عليها: إنّ أمن الخليج جزءٌ لا يتجزّأ من الأمن القوميّ العربيّ.

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه