عبد الإله بلقزيز

في ولايته الرّئاسيّة الأولى، سعى دونالد ترامب وفريقه الرّئاسيّ في البيت الأبيض إلى تطبيق سياساتٍ جَبَّت ما قبلَها من سياساتٍ دُرِج عليها منذ عهد جورج بوش الأب، وعبّرت عن ميْل متزايد إلى توسيع نطاق النّفوذ الأمريكيّ، الاقتصاديّ والسّياسيّ، في العالم. ولقد كان الغرض من السّياسات الجديدة التي أطلقها ترامب، قبل ثمانية أعوام، التّنكُّب عن طريق العولمة وإخراج الولايات المتّحدة من معترك المنافسة في تلك العولمة وعليها.
وقد تجلّت هذه السّياسة الانكفائيّة عن العولمة والعالم في سلسلة من القرارات التّنفيذيّة التي وقّع عليها، في تلك الولاية الأولى، تقضي بانسحاب الولايات المتّحدة من مجموعة من المنظّمات الدوليّة («اليونسكو»، «مجلس حقوق الإنسان» التّابع للأمم المتّحدة، «منظّمة الصّحّة العالميّة»، «الاتّحاد البريديّ الدّوليّ»...)، ومن الاتّفاقيّات الدّوليّة (الانسحاب من «اتفاقيّة باريس للمناخ»، «الاتّفاق النّوويّ الإيرانيّ»، «اتّفاقيّة الشّراكة التّجاريّة عبر المحيط الهادئ»، «الاتّفاق العالميّ للهجرة»، «اتّفاقيّة الأجواء المفتوحة»...)، والانسحاب من معاهدات دوليّة من قبيل معاهدة الصّواريخ متوسّطة المدى مع روسيا وسوى ذلك.
غرَّمتِ السّياساتُ الانكفائيّة الترامبيّة صاحبَها الذي خسر الانتخابات لولايةٍ ثانية، في وجه غريمه المرشّح الدّيمقراطيّ جو بايدن، لكنّها - وأكثر من ذلك - غرّمتِ الولايات المتّحدةَ غراماتٍ باهظةً في نفوذها الاقتصاديّ والسّياسيّ ومصداقيّتها في العالم، حتّى أنّ أقرب حلفائها إليها من الغربيّين (الأوروبيّون مثلاً) باتوا يتوجّسون خيفةً من مفاجآتها غير المتوقَّعة ولدْغاتها القاتلة، ولم يهدأ بَلْبالُهم إلاّ حين ذهبتِ الانتخاباتُ الرّئاسيّة بترامب وجاءت ببايدن إلى السّلطة. لكنّ ترامب عاد إلى البيت الأبيض أشدّ اندفاعاً وهياجاً وإصراراً على المضيّ في المزيد من إجراءات الانكفاء الاقتصاديّ من طريق استئناف قرارات الانسحاب من مزيدٍ من المنظّمات الدّوليّة.
هكذا أصبح العالم على مفاجأةٍ، صباح اليوم السّابع من يناير 2026، مع الإعلان رسميّاً عن صدور الأمر التّنفيذيّ - الرّقم 14199 - عن رئيس البيت الأبيض يقضي بانسحاب الولايات المتّحدة الأمريكيّة من 66 منظّمة دوليّة بتعليلات مختلفة ما استطاعت أن تخفيَ الحامل الفعليّ على هذه القرارات: الخروج من حقبة المنافسة على الموارد والنّفوذ إلى حقبة جديدة من توسُّل أدوات الابتزاز السّياسيّ والضّغط العسكريّ والاقتصاديّ للحصول على ما تَعسَّر على أمريكا وامتنع الوصولُ إليه بالوسائل المشروعة والسّلميّة.
تضع سياساتُ الانكفاء الأمريكيّة، إذن، حدّاً لعلاقات المنافسة المشروعة على مغانم العولمة بين القوى الكبرى في العالم، بل وتضع حدّاً لمشاركة أمريكا في الشّؤون العامّة للنّظام العالميّ وفي حِفْظ القوانين والقواعد التي ظلّت تنظّم تلك الشّؤون لما يزيد قليلاً على ثمانين عاماً، حتّى لا نقول إنّها سياساتٌ تؤسِّس للانقضاض الأمريكيّ جملةً على تلك الشّؤون والعلاقات وعلى قوانينها وقواعدها. ولمّا كان الانكفاءُ فعْلاً سياسيّاً يقطع الرّوابط التي كانت تشدُّ أمريكا إلى العالم، كان لا بدّ من الاصطدام بمنطق المصالح الدّوليّة والقاريّة والإقليميّة المشتركة، وبالنّظام القانونيّ الذي يسوِّغ لها ويحميها. ه
كذا اصطدمت السّياسةُ تلك بنظام التّجارة الحرّة الدّوليّة حين وجدت أمريكا نفسَها أمام واقعِ أنّ انكفاءَها عن العولمة يقتضي تعزيزَ نظامِ حمايةٍ نقيض، هو نظام الحماية الاقتصاديّ والتّجاريّ القوميّ في وجْهِ خارجٍ اقتصاديّ وتجاريّ عولميّ توقّفت عن المنافسة داخله طبقاً لقواعده المَرْعيّة في ظلّ نظام التّجارة الدّوليّة الحرّة. هكذا، أيضاً، بدأت أمريكا تتصرّف مثل أيّ دولةٍ صغيرة من «العالم الثّالث» تخاف على سيادتها الاقتصاديّة من الاستباحة وعلى منتوجاتها من أحكام المنافسة التي تقضي بها الحدود المفتوحة أمام حريّة انتقال السِّلع والقيم المادّيّة!
إطلاقُ إدارة ترامب سياسة فرْض التّعرفة الجمركيّة على دول العالم ليس أكثر من تتمّة منطقيّة لسياسة الانكفاء الجارية في البيت الأبيض منذ عام.

[email protected]