ما الذي يمنع مجتمعاً مّا وبنيتَه الإنتاجيّة من كسْر حلقة التّبعيّة التي تشُدُّهما إلى الخارج والتّحرُّرِ من قيودها الكابحة؟ كيف يمكن أن تتعايش في المجتمع الواحد ظاهرتان متجافيتان ومتناقضتان: استقلالٌ سياسيّ وتبعيّة اقتصاديّة في الآن عينِه؟!، فهلِ الاستقلال السّياسيّ للدّولة ليس يكفيها وحده لكي تُحقِّق استقلالها الاقتصاديّ وتنعتق من التّبعيّة؟
يتوقّف الجواب عن هذه الأسئلة على حُسن إدراكنا لطبيعة التّبعيّة بما هي علاقة ولأدوار أطراف تلك العلاقة، بالتّالي في ترسيخها أو في التّمكين لزوالها. حين نعرِّف التّبعيّةَ بأنّها علاقة، فالمفهوم منها أنّها تقوم بين طرفين: بين تابعٍ ومتبوع، وأنّها - لذلك السّبب - نتيجة لفعليْن متضافرين: الإخضاع والخضوع. لا يتحقّق الإخضاعُ لمجرّد قيام فعل الإرغام العنيف الذي يمارسه الطّرفُ الأقوى على الطّرف الذي يريد إخضاعه، فلقد يُفضي فعْل القوّة الإرغاميّة إلى استنفار عوامل المقاومة لدى الطّرف الذي يرادُ إخضاعه لا إلى استسلامه.
ما من شكٍّ في أنّ الخضوع لا ينشأ إلاّ من فعْل إرغام عليه يأتي الواقعَ عليه من خارجٍ أقوى منه. لكنّ ذلك ليس يعني، بالضّرورة، أنّ الإرغام هذا يكون خارجيَّ المصدر دائماً وأنّ الخضوع، بالتّالي، لا يعدو كونه نتيجةً لفعل الإخضاع الذي يمارسه الطّرفُ الأفْعل في علاقة التّبعيّة. نعم، نحن لا نجادل في أنّ المتبوع يملك أن يمارس قوّةً - عمياءَ أو ناعمة - على التّابع لفرض إرادته عليه ولمنْعه من أن يتطلّع إلى التّحرّر من الخضوع والتّبعيّة له، ولكنّ الذي لا مِرْية فيه أنّ ذلك يقع، على التّحقيق، حين تكون لدى التّابع قابليّةٌ داخليّة لعمليّة الاستتباع أو استعدادٌ ذاتيٌّ للخضوع. يُستفاد من هذا أنّ التّابع مسؤولٌ عن تبعيّته، أيضاً، بمقدار مسؤوليّة المتبوع عن وجودها وديمومتها، وأنّه وحده - من دون المتبوع هذه المرّة - مسؤولٌ عن تحرير نفسه منها لأنّه وحده من لا مصلحةَ له في الخضوع لإرادةِ من يُخضِعه له قسْراً.
والحقّ أنّنا، في هذه العلاقة المركَّبة التي تتكوّن منها التّبعيّة، أمام طرازٍ واحدٍ للمتبوع أو قُل، للسّيّد الغالب في هذه العلاقة، ولكنّنا أمام طرازيْن مختلفيْن للتّابع يَختلف بهما مصير خضوعه ومعه مصيرُ التّبعيّة ككلّ، فأمّا أنّ المتبوع/ المسيطِر من طرازٍ واحد دائماً فلأنّ في إخضاعه للتّابع (بلداً واقتصاداً وإنتاجاً) مصلحةً خاصّة لا يسترخصها أو يضحيّ بها باسم مبدأ إنسانيّ مّا مزعوم، وأمّا أنّ التّابع من طرازين نقيضين فلأنّ النّخب السّياسيّة التي ترمي بها مقاديرُ السّياسة إلى حكم البلدان الخاضعة للتّبعيّة ليست من جنسٍ واحدٍ ومن محْتِدٍ واحد، إذِ النّخبةُ التي وَكَلَ إليها المسيطرُ المتبوعُ أمْرَ حكمِ تلك البلدان وفوّضها القيامَ على شؤونها (حراسةُ حالة التّبعيّة في التّحليل الأخير)، أمّا النّخبة الثّانيّة فتنتمي إلى بيئة اجتماعيّة وسياسيّة تحرُّريّة أو مسكونة بهواجس التّحرُّر من أرباق التّبعيّة واستكمال معركة الاستقلال الوطنيّ بتحقيق الاستقلال الاقتصاديّ.
تقترح النّخبةُ الأولى على مجتمعها ودولتها (وهي الغالبة في بلدان الجنوب) حراسةَ التّجزئة، فيما تقترح الثّانيّة عليهما مشروعاً للتّحرُّر وفكِّ الارتباط. لذلك لا يجوز الجمْعُ الاعتباطيّ بين مَن يُقدِم السُّخرةَ للأجنبيّ ومَن يسعى إلى عصيان أوامره، وهذا ما حملنا على القول إنّ البلد التّابع ينطوي على طرازين...
نتأدّى من هذا إلى القول إنّ تعويق عمليّة التّحرُّر من التّبعيّة ووأْدَ إمكانِها مأتاهُ من عامليْن متضافريْن في الفعل والمسعى: خارجيّ وداخليّ، لا تكون التّبعيّةُ كما لا تستمرُّ إلاّ بتضافُرهما.

abdilkeziz29gmail.com