هناك مصطلح يسمى «فخ الإنتاجية الوهمية»، أو «الإنتاجية السامة»، وقد تناوله الكثير من الدراسات، ومنها ما كشفته دراسة بحثية نشرت في مجلة علم نفس الصحة المهنية، مطلع عام ٢٠٢٦، جاء فيها «أن ما يعرف بالإنتاجية السامة، ليس مجرد ضغط عمل... وأن الارتفاع المزمن لهرمون الكورتيزول لدى المنخرطين في هذا الفخ يؤدي إلى تآكل القدرة على التركيز العميق، حيث يتحول الشعور بالذنب تجاه الراحة إلى عائق يمنع العقل من الوصول إلى مرحلة التخليق الإبداعي».
هذا الفخ، يتمثل في أعمال ومهام تعطي شعوراً بالانشغال لكن دون إنتاجية، لا توجد هناك إنتاجية حقيقية، كلما هو موجود يتمثل في اجتماعات كثيرة، ردود سريعة على البريد الإلكتروني، ونشر يومي لأكثر من مرة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتفاعل معها، وهذه جميعها مهام صغيرة متواضعة، لكنها تستهلك الجهد الذهني والوقت، وتسبب أيضاً إفراز الدوبامين، عند تحقيق هذه المنجزات الهامشية المتواضعة. ومن هنا يتوهم البعض أنه منتج وفاعل، بينما الواقع أنه يراوح في المكان نفسه.
مصطلح «فخ الإنتاجية الوهمية» جاء مع تطور الاتصالات الحديثة، ونمو مواقع التواصل الاجتماعي المذهل السريع، وتجد ملامح مثل هذا الفخ في مجال الأعمال الإبداعية بصفة عامة، حيث يتم الطلب بشكل مباشر أو غير مباشر من المؤلفين أو المفكرين أو المبتكرين أن يكونوا حاضرين ومتفاعلين ومنتجين على مدار الساعة، أما إذا رفضوا الاستجابة، فإن العقاب أن يكونوا خارج المشهد.
الفخ هنا يستهلك ويلتهم أعظم وأهم ما يملكه المبدع، أياً كان نوع إبداعه، وهو العمق، التميز، التأثير... وبشكل تدريجي يقوم المبدع بالابتعاد عن العمق، وينشغل بجوانب وهمية سطحية، يحسبها إنتاجاً، بينما هي جوانب متواضعة، مثل الرد على التعليقات، تنسيق منشور، متابعة إحصائيات، وهذه جميعها تعطي شعوراً بالإنجاز، لكنه هامشي متواضع، لأن عمل المبدع الحقيقي يتمثل في مهام أكثر دقة وعمقاً وحيوية، المبدع ينشغل بتأليف كتاب، ببناء استراتيجية لنشر المعرفة، أو بحث تاريخي، أو في ابتكار برامج جديدة، أو برمجة تطبيقات أو تقنيات حديثة، أو غيرها من المهام الإبداعية، ومثل هذه المهام والأعمال تتطلب عزلة وتركيزاً، وعملاً قد لا يشاهد الناس نتائجه إلا بعد عدة شهور أو سنوات.
لذا، علينا جميعاً الحذر من «فخ الإنتاجية الوهمية» أو الإنتاجية المتواضعة أو السطحية، والتركيز دائماً على العمق، والمهام الأكثر عمومية وفائدة وتأثيراً إيجابياً في حياة الناس، فهي التي تبقى، وهي التي يدونها التاريخ، وهي النجاح الحقيقي، دون شك.
