الحديث عن الولايات المتحدة باعتبارها قوة عظمى فرضت نفسها على النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، هو نوع من البديهيات، لكن السؤال الذي يلحّ الآن: هل هذه القوة العظمى هي أيضاً دولة عظمى؟
نعم السؤال صحيح، فثمة فارق هائل بين القوة والدولة، القوة حالة مادية محضة، طاقة هائلة كالزلزال، والبركان، والطوفان، والإعصار، والنيران، تتحرك بلا مشروع أخلاقي جامع، بينما الدولة العظمى هي شيء آخر، إنها مزيج من القوة والشرعية، من المادة والفكرة، من السلاح والقدوة.
وبالطبع تمتلك الولايات المتحدة بلا شك كل عناصر الدولة العظمى، جامعات تصنف ضمن الأفضل عالمياً، مراكز أبحاث تنتج ابتكارات غير مسبوقة، إعلام يصل إلى كل ركن في أيّ بقعة على كوكب الأرض، مفكرون وعقول نيّرة تغذي الفكر الإنساني، أي في يديها أدوات العلم، والمعرفة، والاقتصاد، فهل تعبّر عن هذه الأدوات في علاقاتها الدولية كـ«قوة عظمى»، أم كـ«دولة عظمى»؟
حين نراجع سجلّها الدولي منذ حرب فيتنام، نجد أن هذه العناصر والأدوات لم تترجم إلى مشروع أخلاقي عالمي، بل ظلت محصورة في الداخل، أو مسخّرة لخدمة القوة العسكرية ونزع المصالح، الجامعات تنتج المعرفة، لكن السياسة الخارجية تحولها إلى أدوات هيمنة، الإعلام المؤثر يستخدم غالباً لتبرير تدخلاتها وحروبها ضد دول العالم الثالث: جرينادا، وبنما، والصومال، وأفغانستان، والعراق، وليبيا، وسوريا، وفنزويلا، وغزة. المفكرون موجودون وناشطون لكن صوتهم خافت أمام ضجيج المصالح العسكرية. لماذا يحدث هذا التناقض؟ يفسر التاريخ المفارقة بكل بساطة، أن الولايات المتحدة في بنيتها السياسية والاقتصادية تقدم القوة على الشرعية، والمصلحة على القيمة، كما أثبتت كل تدخلاتها في الدول التي ذكرناها آنِفاً، أي أن الرؤية الأخلاقية الجامعة تُهرس تحت أحذية القوة الثقيلة، فنجدها تسقط أنظمة لكنها لا تبني دولاً مستقرة، تعيد رسم الخرائط لكنها لا تقدم نموذجاً يحتذى، نار زاعقة نهمة تنمو بلا رادع، من دون أن تنير طريقاً إنسانياً.
هذا التناقض بين القوة والدولة يفرز سؤالاً فلسفياً: هل يمكن لقوة بلا مشروع أخلاقي أن تصبح دولة عظمى؟
يجيب التاريخ بوضوح أن الإمبراطوريات التي اعتمدت على القوة وحدها انهارت سريعاً، بينما تلك التي قدمت نموذجاً حضارياً استمرت آثارها حتى بعد أفول قوتها، بدليل أن أثر الحضارة الإسلامية مازال شامخاً، بينما قوة المغول تلاشت تماماً. وحاليا تُدهش الولايات المتحدة العالم بعلومها وقوتها، لكن لا تلهمه بقيمها.
