كشف علماء آثار عن أسرار الهندسة البحرية الرومانية التي مكنت السفن من الصمود في عرض البحر لأعوام طويلة، وذلك بفضل دراسة دقيقة لحطام سفينة «إيلوفيك-بارزين 1» التي غرقت في البحر الأدرياتيكي قبل نحو 2200 عام.
وأظهرت الدراسة، التي قادتها بروفيسورة الآثار أرميل شاريه دوهو من جامعة ستراسبورغ بفرنسا، أن الرومان لم يكتفوا بطبقة واحدة من العزل المائي، بل اعتمدوا تقنيات متطورة تعتمد على «القار» (قطران الصنوبر) الممزوج بشمع العسل، في ممارسة مطابقة لما وصفه المؤرخ الروماني الشهير بليني الأكبر في كتاباته.
ومكن تحليل دقيق للعينات المأخوذة من خشب السفينة، الذي حُفظ جيداً تحت رواسب قاع البحر، من العثور على ما لا يقل عن أربع إلى خمس طبقات من مواد العزل. وبفضل تحليل «حبوب اللقاح» العالقة في هذه المواد اللزجة، نجح الباحثون في رسم خريطة لمسار السفينة ورحلات صيانتها، حيث تشير النتائج إلى أن السفينة بُنيت في «برينديزي» الإيطالية، ثم خضعت لعمليات تجديد لطلائها الواقي بموانئ متعددة على طول مسارها البحري.
وأكدت الباحثة أن هذا النهج «متعدد التخصصات» لا يكتفي بوصف المواد، بل يسمح برؤية السفينة «ككل»، وفهم مراحل حياتها وحركاتها والتقنيات التي جعلتها صالحة للإبحار لسنوات طويلة في بيئة بحرية قاسية.
وتعد هذه الاكتشافات شهادة حية على المعرفة التقنية المتقدمة التي امتلكها بناة السفن في العصر الروماني، وقدرتهم على تطوير استراتيجيات صيانة مستدامة، تتيح لسفنهم مواجهة تحديات الزمن والملاحة.