أقرأ مذكرات المخرج السينمائي لويس بونويل (1900-1983) بنهم متواصل مثل جائع أبدي لرغيف خبز، وأغبطه على الفترة الشبابية التي عاشها في بلاده إسبانيا، وأغبطه اكثر على صداقاته مع شعراء ورسّامين ومصارعي ثيران في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين: رفائيل ألبيرتي، ولوركا، وشاعر آخر يدعى اينوخوسا، وهؤلاء يعتبرهم بونويل شعراء أندلسيين حتى العظم، أي تجري في عروقهم دماء عربية.
كان لويس بونويل شاعراً أيضاً، لكن السينما كانت حياته ومشروع قلبه وعقله، والأهم من ذلك، أو ما يهمّني على الأقل في مذكراته هي حياته أو حبّه الجنوني للحياة، إنه ذلك الشخص المدهش حقاً، فهو تعلم التنويم المغناطيسي وطبّقه على بعض النساء، من باب الفكاهة طبعاً، ويقول إنه تعلم العرافة والكهانة، كما كان مولعاً باقتناء المسدسات، لكنه لم يقتل أحداً، وما أطلق النار ذات يوم على أحد، والغريب هنا، قوله إنه كان يسمع الطبول وهو ابن شهرين، وأغرب من ذلك حديثه عن سيارة كانت في بلدته، كانت تعمل بالكهرباء، وكان ذلك في عام 1908، وإذاً، هل عرف العالم سيارات الكهرباء قبل اكثر من مئة عام؟
لكن أجمل ما في مذكرات بونويل (الهيئة المصرية للكتاب، إصدارات عام 2015، ترجمة: مروان حدّاد) هذه الحكاية: يقول إنه ذات يوم أهدى والده طقم صحون، وكانت كل قطعة منه تحمل صورة أمّه، وفي ما بعد، وخلال الحرب تكسرت كافة قطع الطقم أو فُقِدَتْ، ويقول إنه بعد الحرب بسنوات عدّة، عثرت أخت زوجته، بطريق المصادفة على صحن من ذلك الطقم وذلك في أحد محال بيع الأشياء القديمة في سرقسطة، فاشترته، وأهدته إياه، وظل يحتفظ به.
له أخت صغرى تدعى كونتشيتا كتبت بعض مذكراتها في المجلة الفرنسية «بوزيتيف» وبدأتها على النحو التالي: «كنا سبعة إخوة.. لويس، الأكبر، تليه ثلاث بنات، كنت بينهن الثالثة والأكثر غباءً، وحين كان لويس في نحو الرابعة عشرة قمنا بالذهاب إلى إحدى المقابر في قرية تدعى فوث، وأتذكر كيف تمدد لويس هناك على طاولة تشريح وطلب منا أن نخرج أحشاءه، وبالطبع وسط موجة من الضحك والمزاح».
تقول كونتشيتا إنها بعد الحرب عادت ثانية إلى تلك المقبرة لتبحث، كما تقول، عن تلك الذكريات، لكنها وجدت تلك الذكريات أصغر وأقدم، لكنها ذلك اليوم شاهدت في إحدى زوايا المقبرة تابوتاً أبيض صغيراً قد تفكك، وفي داخله جثمان محنّط لأحد المخلوقات، ومن خلال ما كان بطن ذلك المخلوق، نمت شجرة من قرنفل أحمر.
أحياناً ينمو الشعر حتى في مقبرة.
