يتزايد الإنفاق العسكري العالمي بوتيرة غير مسبوقة، ما يؤدي إلى سباق تسلح جديد، ويضع ضغطاً هائلاً على الميزانيات وخطط التنمية، ويفاقم من الحروب، ويزيد من منسوب المآسي الإنسانية المتمثلة في النزوح والفقر والجوع.
وفقاً لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فإن الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2.89 تريليون دولار في عام 2025 ليسجل ارتفاعاً للسنة الحادية عشرة على التوالي. ووفقاً للمعهد، فقد كان نصيب أكبر ثلاث دول من حيث الإنفاق العسكري، وهي الولايات المتحدة والصين وروسيا، ما مجموعه 1.48 تريليون دولار، أي 51 في المئة من الإنفاق العالمي، لكن الولايات المتحدة ظلّت أكبر منفق عسكري في العالم بفارق كبير، كما أشار التقرير إلى أن الزيادة الحادة في الإنفاق الأوروبي وصلت إلى نسبة 14 في المئة عام 2025 بسبب الحرب الأوكرانية وزيادة ميزانيات التسلح.
من البديهي أن تؤدي هذه الزيادات إلى سباق تسلح جديد في عالم يشهد المزيد من الصراعات والنزاعات؛ حيث سجل مؤشر السلام العالمي لعام 2025 الصادر عن «معهد الاقتصاد والسلام» 56 نزاعاً مسلحاً نشطاً في العالم، وهو أكبر عدد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويرى المعهد أن العنف وتوسع الصراعات، كلّفا الاقتصاد العالمي 10 تريليونات دولار في عام 2023، أي ما يعادل 13.5 في المئة من الناتج المحلي العالمي، ومن الطبيعي زيادة هذه النسبة بشكل كبير خلال السنوات الثلاث التالية.
في المقابل، توفر التقارير أرقاماً إنسانية صادمة حول تداعيات هذه الحروب، وما تؤدي إليه هذه الزيادات الهائلة في ميزانيات التسلح والعسكرة، وما تمثله من تهديد خطِر لمستقبل البشرية. ووفقاً للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، فإن عدد النازحين جراء الحروب بلغ مستويات قياسية حيث تجاوز 122 مليون شخص، بينهم 73.5 مليون نازح داخلياً، ويشهد السودان حالياً أكبر أزمة نزوح بلغت 14.3 مليون شخص.
ووفقاً للأمم المتحدة، فإن العالم يبتعد كثيراً عن تحقيق هدف القضاء على الجوع وانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية بحلول عام 2030؛ لأن ميزانيات التسلح تلتهم كل ما يمكن توفيره لتحقيق هذا الهدف؛ إذ إن عدد الجياع ارتفع إلى نحو 830 مليون شخص، بزيادة قدرها 48 مليون شخص منذ عام 2020، و150 مليون شخص منذ تفشي وباء كورونا.
ووفق تقديرات البنك الدولي لعامي 2024 و2026، فإن ما يقارب 700 مليون شخص (نحو 8.5 إلى 10 في المئة من سكان العالم) يعيشون في فقر مدقع، معظمهم في جنوب الصحراء بسبب الحروب والصراعات الداخلية في بعض الدول الإفريقية.
يشكل هذا المسار من العسكرة والتسليح المتزايد والحروب تهديداً للبشرية ولكل ما حققته من تقدم. ذلك أن دول العالم تنفق تريليونات الدولارات على السلاح والحروب، بينما تخفض ميزانيات الأمن الغذائي ومواجهة الفقر والجوع وتغير المناخ والتنمية المستدامة، أي أن ما يستخدم للقتل والتدمير يمثل أضعافاً مضاعفة عما يتم استثماره في السلام.
في ظل هذه البيئة الدولية الملتهبة، الممتدة من الشرق الأوسط، إلى أوكرانيا وأمريكا اللاتينية، وإفريقيا، وشبه الجزيرة الكورية، وبحر الصين الجنوبي، يقف العالم أمام مفترق طرق، إما المضي في مسيرة الانتحار، وإما الاستجابة للأزمات والاستثمار المستدام في السلام، وتعزيز نهج الحوار والمفاوضات، وتحسين المرونة السياسية، والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة.