الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

كرة القدم.. لعبة الرجل المثقف

26 أبريل 2026 14:50 مساء | آخر تحديث: 26 أبريل 16:17 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
كرة القدم.. لعبة الرجل المثقف
icon الخلاصة icon
الكتاب يوضح ارتباط كرة القدم بالإمبريالية والهوية الثقافية، كأداة استعمارية تحولت لوسيلة مقاومة وبناء وطني خاصة في مصر
أصدر المركز القومي للترجم كتاب «الإمبريالية، والهوية الثقافية، وكرة القدم»، للكاتب «كريستوفر فيرارو»، حيث ارتبطت كرة القدم منذ نشأتها بالسياسة، فثمة ثلاثة متغيرات برزت من خلال عنوان هذا الكتاب، أولها الإمبريالية، وثانيها الهوية الثقافية، وثالثها كرة القدم.
تؤرخ الإمبريالية لمرحلة العصر الفيكتوري، الذي حملت فيه إنجلترا العدة والعتاد، وفرضت سيطرتها على كثير من الأرض والبشر، وهذه المرحلة إفراز لتداعيات الثورة الصناعية في إنجلترا الفيكتورية، فتشغيل المصانع، وجلب المواد الخام، وتسويق المنتجات الصناعية، دفع إنجلترا إلى أن تعزل مستعمراتها من هونج كونج إلى الهند وسنغافورة، إلى نيوزيلندا وأسكتلندا، إلى مصر وزنجبار، وغيرها من البقاع، حتى صارت، كما وصفها المؤرخون، الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.

نموذج


أما الهوية الثقافية فقد نزع الاستعمار إلى فرض ثقافته على المستعمرين والسكان المحليين - على حدّ تعبير المؤلف – فبين دفتي الكتاب، الذي ترجمه إلى العربية وليد رشاد زكي، محاولات عدة للتأثير في ثقافة السكان المحليين، بالشكل الذي يمكن معه القول إن إنجلترا لم تكن تسعى إلى الاستعمار العسكري فحسب، لكنها كانت تسعى إلى فرض نموذج ثقافي واحد بين جميع شعوب المستعمرات.
أما كرة القدم فكانت تمثل شكلاً من أشكال النماذج الثقافية، التي سعى الاستعمار، بشكل مقصود وغير مقصود، إلى نشرها، فقد حاول الاستعمار في بعض المستعمرات أن يقصر لعبة كرة القدم على الإنجليز فقط، لكن سرعان ما سعى السكان المحليون إلى تعلم اللعبة، وتحولت من مجرد لعبة إلى أداة من أدوات التغيير السياسي.

سعي


لعبت كرة القدم دورها في نمو الحركات القومية المتصاعدة عبر معظم دول الإمبراطورية، بالشكل الذي تحول فيه الصراع العسكري لمواجهة بريطانيا العظمى في ساحة النزال العسكري، إلا أن العديد من المستعمرات سعت إلى مواجهة الإنجليز عبر المستطيل الأخضر، والتغلب على المستعمر في لعبته، حتى بات الانتصار على الإنجليز في كرة القدم هدفاً من ضمن الأهداف القومية، التي سعى إليها العديد من الحركات التحررية، عبر أرجاء عدوة من المستعمرات.
وارتبطت ثلاثية الاستعمار والهوية الثقافية وكرة القدم، برباعية التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها إنجلترا عبر أربع مؤسسات: المدارس والجامعات، والجيش، والمصانع، والمؤسسات الدينية، أما المدارس والجامعات فتُعد خير شاهد على التحول الثقافي والسياسي، الذي لحق باللعبة، حيث بدأت بوصفها لعبة الرجل المثقف، ثم سرعان ما تغيرت في ما بعد.
مظهر من مظاهر السياسة في نشأة لعبة كرة القدم، علاقتها بالبعد الثقافي، فقد مثلت وسيلة جذب للأطفال إلى المدارس في العصر الفيكتوري، فمع الثورة الصناعية زاد القلق من عمالة الأطفال داخل المصانع، فقرر البرلمان الإنجليزي في ذلك الوقت، تطبيق التعليم الإلزامي للأطفال في تلك الحقبة، فحاول أن يجذب الطلاب إلى المدارس، فبدت المدارس في اللعب بشكل إلزامي، وممتع في ذات الوقت.
كبُر خريجو المدارس والجامعات، والتحقوا بالجيش الإنجليزي، وتولوا العديد من المناصب الإدارية، وتقلدوا أعلى المراتب عبر أرجاء المستعمرة، إلا أنهم لم يتركوا كرة القدم، حملوها معهم إلى كتائبهم ومعسكراتهم، في الجيش.

وسائل


يدعم الدور السياسي الذي لعبته كرة القدم في إنجلترا، ما أحدثته هذه الرياضة داخل المصانع، فقد بدأت الاحتجاجات العمالية جراء زيادة ساعات العمل، دفع ذلك السلطة والرأسمالية الوليدة إلى محاولة إخضاع الطبقة العاملة، والاستجابة لمطالبها من دون أن يبرحوا المصنع، فاتخذوا من يوم السبت نصف يوم للعب كرة القدم، ووسيلة لإخضاع الجسد المنفلت، بلغة ميشيل فوكو، إلى جسد منضبط، وفي هذا السبيل تم تشكيل فرق كرة القدم داخل المصانع.
تكشف كل هذه التقاطعات أن اللعبة تحركت على عدة مرجعيات، منها ما هو ثقافي، ومنها ما هو سياسي، ومنها ما هو ديني، إلا أن المحصلة النهائية أنها باتت لعبة عالمية، فقد تحولت في نهاية القرن التاسع عشر من لعبة هواة إلى لعبة محترفين، وظهرت الفرق الاحترافية التي تتقاضى أجوراً مقابل اللعب، وارتبط ذلك بتشكّل الملاعب ذات الباب الدوار، التي قادت الجمهور إلى دفع رسوم مقابل الدخول لمشاهدة المباريات، قاد ذلك إلى نمو أرباح النواي من المباريات، دفعت به النوادي أجوراً للاعبين.
يتناول الكتاب، في جانب منه، عملية تحول كرة القدم في مصر خلال الفترة الممتدة من الاحتلال البريطاني (1882)، حتى منتصف الثلاثينيات، باعتبارها نموذجاً لتداخل الرياضة بالسياسة الاستعمارية وبناء الهوية الوطنية، وينطلق من فكرة أساسية مفادها أن كرة القدم لم تكن في البداية ممارسة اجتماعية، بل لعبة استعمارية أدخلها الجيش البريطاني ضمن منظومة أوسع من «التحديث العسكري والثقافي»، قبل أن تتحول تدريجياً إلى عنصر مركزي في الحياة اليومية.

انتقال


مع مرور الوقت، خرجت كرة القدم من الإطار العسكري الضيّق إلى المجال المدني، خصوصاً عبر المدارس والمؤسسات الصناعية، وهنا يشير الكاتب إلى أن هذا الانتقال ارتبط بسياسات استعمارية هدفت إلى تشكيل طبقة إدارية ومهنية مصرية منضبطة، وفق النمط الغربي، وهنا أيضاً بدأت تظهر أندية مرتبطة بالعمال والصناعة مثل «السكك الحديدية»، في ظاهرة كانت معروفة أيضاً في بريطانيا نفسها، حيث ارتبطت كرة القدم بالطبقات العاملة والتنظيم الصناعي.
أما في ما يخص المغزى السياسي، فإن الكتاب يُظهر أن الاستعمار البريطاني في مصر، لم يكن مشروع هيمنة عسكرية واقتصادية فقط، بل كان أيضاً مشروعاً ثقافياً طويل المدى، يستهدف إعادة تشكيل المجتمع من الداخل عبر مؤسسات «ناعمة»، مثل التعليم والرياضة، فكرة القدم هنا ليست تفصيلاً هامشياً، بل أداة ضمن استراتيجية سياسية، تهدف إلى إنتاج أفراد منضبطين وفق النموذج البريطاني، وإعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية، بما يخدم الإدارة الاستعمارية.

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه