قبل ستة وثلاثين عاماً، وتحديداً في عام 1990، كانت المنطقة تقف على حافة نارٍ كبرى، غزو العراق للكويت الشقيقة، طبولُ حربٍ تُقرع، حشودٌ عسكرية من مختلف دول العالم، وغيومٌ جيوسياسية كثيفة تُظلل الخليج العربي كله، فيما كانت المنطقة تخرج مُنهكة من أوزار الحرب العراقية الإيرانية، محمّلةً بالقلق، ومفتوحةً على كل الاحتمالات.
في تلك اللحظة العاصفة، وفي جنوب الخليج العربي، وتحديداً في دولة الإمارات العربية المتحدة، كان هناك قائدٌ شاب، يتولى وزارة الدفاع، لكنه كان يرى أبعد من الدخان، وأبعد من هدير المدافع، وأبعد من ارتباك اللحظة.. كان يرى المستقبل.
في دبي، وبينما كانت المنطقة تتهيأ لحرب تحرير الكويت، وحشود أكثر من ثلاثين دولة تستعد لمعركة كبرى، والجاليات الأجنبية تعيش قلق الرحيل، وسفن الإجلاء تُجهّز على عجل، كان صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يفكر بطريقة مختلفة تماماً، لم يكن منشغلاً بضجيج اللحظة، بل كان منشغلاً بما بعدها، لم يكن أسير الخوف، بل كان صانعاً للأمل، ولم يكن يقرأ المشهد بعين القلق، بل بعين القائد الذي يعرف أن الأوطان العظيمة لا تُبنى بردود الأفعال، بل تُبنى بالإرادة والثقة والرؤية.
في تلك الأجواء الملبّدة، أعلن عن مشروع بدا غريباً على المنطقة في ذلك الوقت، بل وربما بدا للبعض أقرب إلى المغامرة: منتجع جولف فاخر، بمئات الملايين، على ضفاف خور دبي، في قلب المدينة، مشروعٌ ترفيهي، نعم، لكنه في جوهره كان إعلاناً سيادياً بلغة التنمية، رسالة واضحة تقول: نحن لا نبني لزمن الحرب، بل لزمن جميل قادم، نحن لا نُدار بالخوف، بل نقود بالثقة، نحن لا ننتظر أن تهدأ العواصف كي نتحرك، بل نبني وسط العاصفة، لأننا نعرف أن المستقبل لا ينتظر المترددين.
كان ذلك المشروع أكثر من مجرد وجهة سياحية، كان بياناً سياسياً بصيغة اقتصادية، وكان إعلاناً مبكراً عن فلسفة إماراتية راسخة: أن البناء هو الرد الأقوى، وأن التنمية هي اللغة الأذكى، وأن ثقة الأمم بنفسها هي أول شروط انتصارها.
اليوم، وبعد ستة وثلاثين عاماً، يعود صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، بذات الرؤية، وبذات اليقين، ولكن بثقةٍ أكبر، وتجربةٍ أعمق، وإيمانٍ أصلب، يعود ليعلن عن مشروعٍ عملاق، لا يشبه إلا دبي، ولا يليق إلا بها، مشروعٌ تتجاوز قيمته ميزانيات دول، وتناهز كلفته تسعة مليارات دولار، لتوسعة شبكة مترو دبي، بإضافة أنفاق ومسارات تمتد لأكثر من 42 كيلومتراً، لتربط دبي الجديدة بدبي المستقبل.
مرةً أخرى، يخرج السؤال ذاته، وإن بصيغة مختلفة: لماذا الآن؟ ولماذا في هذا التوقيت تحديداً؟ وماذا تريد دبي أن تقول للعالم، والمنطقة تمر بمرحلة شديدة الحساسية، بعد الاعتداءات الإيرانية الإرهابية على دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات؟ والجواب بسيط وواضح وحاسم. دبي لا تؤجل المستقبل، هذه هي الرسالة.
صحيح أن مشروع توسعة المترو ليس وليد اللحظة، بل هو ثمرة دراسات عميقة، وتخطيط ممتد، ورؤية مؤسسية طويلة النفس. وصحيح أيضاً أن بالإمكان تأجيل الإعلان، ريثما تتضح الصورة الجيوسياسية بشكل أكبر. لكن دبي لا تُدار بمنطق الانتظار. ودولة الإمارات لا تُعلّق قراراتها على ضجيج الإقليم. والقادة الكبار لا يربطون مصير التنمية بارتباك اللحظة.
أراد صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، أن يعلن المشروع الآن، بنفسه، وفي هذا التوقيت تحديداً، لأن الرسالة يجب أن تكون واضحة وصريحة ومباشرة: الإمارات واثقة، الإمارات جاهزة، الإمارات لا تتردد، الإمارات تمسك بالمستقبل بيدٍ ثابتة، وتدير الحاضر بعقل الدولة، وتواجه التحديات بثقة الكبار.
هذه الثقة ليست شعاراً، إنها نتيجة دولة يقودها صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، برؤية القائد، وصلابة الدولة، وهدوء الحكماء، دولة تمتلك من الكفاءة والجاهزية ما يجعلها قادرة على حماية منجزها، وصيانة مكتسباتها، ومواصلة تقدمها بثبات، دولة بلغت مؤسساتها العسكرية والأمنية والمدنية مستويات متقدمة من الكفاءة والتنسيق والجاهزية، ودولة يملك اقتصادها من المرونة والشراكات والقوة، ما يجعله الأكثر حيوية في المنطقة، والأقدر على تحويل التحديات إلى فرص، والضغوط إلى انطلاقة جديدة.
صحيح أن المنطقة دفعت أثماناً باهظة جراء الاعتداءات الإيرانية الإرهابية، وصحيح أن التوترات تركت كلفة سياسية واقتصادية وأمنية، لكن الصحيح أيضاً أن هذه ليست نهاية المشهد.
إنها لحظة عابرة في تاريخ المنطقة، أما الثابت، فهو أن صوت العقل سينتصر، وأن منطق الدولة سيبقى أقوى من منطق الفوضى، وأن البناء، في النهاية، سيعلو على الدمار، وأن التنمية ستنتصر على التخريب، وأن المستقبل، كما كان دائماً، سيكون من نصيب الذين يملكون الشجاعة ليبنوه، وهنا تكمن قصة الإمارات، لا ترفع صوتها فوق الضجيج، بل ترفع مشروعها، لا ترد على القلق بالكلام، بل بالإنجاز، لا تواجه العواصف بالشعارات، بل بالعمل، وحين ينشغل الآخرون بقراءة احتمالات الخطر، تنشغل الإمارات بالغد.
هكذا كانت، وهكذا هي، وهكذا ستبقى، دولة لا تخاف المستقبل، لأنها تصنعه.
