كشف فريق بحثي دولي تقوده المؤسسة الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة، عن لغز مناخي يعود إلى 3 ملايين سنة، بعد نجاحه في استخراج وتحليل فقاعات هواء محتجزة داخل جليد القطب الجنوبي، ما قدم أول نظرة مباشرة على الغلاف الجوي للأرض في العصور السحيقة، وتحدّى افتراضات علمية سادت طويلاً.
وأظهرت الدراستان الحديثتان أن كوكب الأرض شهد انخفاضاً ملحوظاً في درجات الحرارة، وتشكّلاً لصفائح جليدية هائلة في نصف الكرة الشمالي، على الرغم من أن مستويات غازات الاحتباس الحراري ظلت مستقرة طوال تلك الفترة.
ووفقاً للبيانات التي جمعها مشروع «كولديكس» (COLDEX) من منطقة «تلال ألان» في القارة القطبية الجنوبية، بلغ تركيز ثاني أوكسيد الكربون، قبل 2.7 مليون سنة، نحو 250 جزءاً في المليون، ولم يشهد انخفاضاً جوهرياً خلال المليون سنة التالية. وفي المقابل، انخفض متوسط حرارة المحيطات بمقدار يصل إلى 2.5 درجة مئوية، ما يشير إلى أن آليات طبيعية أخرى غير الغازات الدفيئة كانت تقود المناخ القديم.
وأوضحت الباحثة جوليا ماركس-بيترسون، التي قادت جهود استخلاص قياسات الغازات، أن تركيزات ثاني أوكسيد الكربون والميثان كانت أقل بكثير مما كانت تقترحه التقديرات السابقة المستندة إلى طرق غير مباشرة.
الجليد المكتشف
من جهتها، بينت الباحثة سارة شاكلتون، التي قادت دراسة درجات حرارة المحيطات، أن استخدام «الغازات النبيلة» المحتجزة في الجليد كشف عن رؤية عالمية فريدة، حيث تبين أن تبريد أعماق المحيط بدأ مبكراً قبل 3 ملايين سنة، بينما تأخر انخفاض حرارة السطح حتى قبل مليون سنة، ما يعزز فرضية أن دوران المحيطات وانتقال الحرارة لعبا دوراً محورياً في تشكيل المناخ.
ويشير العلماء إلى أن هذه النتائج لا تقلل من دور الغازات الدفيئة في الاحترار السريع الذي يشهده العالم اليوم، بل تكشف أن كوكب الأرض يمتلك آليات تبريد ذاتية قوية كانت قادرة على خفض حرارته، حتى مع ثبات مستويات الغازات. ويعد هذا البحث «تغيراً في قواعد المفهومة والثابتة»؛ إذ يرجح أن نمو الصفائح الجليدية كان حساساً للغاية لتغيرات طفيفة، أو أن عوامل أخرى، مثل تغير «بياض الأرض» (انعكاس ضوء الشمس)، وأنماط الغطاء النباتي، كانت أكثر تأثيراً مما كان يُعتقد.
ويتجه الفريق حالياً نحو توسيع نطاق استكشافه للوصول إلى جليد يعود تاريخه إلى 6 ملايين سنة، في محاولة للغوص في أعماق العصر الميوسيني، ما سيوفر فهماً أدق لكيفية استجابة نظام الأرض للحرارة وتفاعله مع العناصر المناخية المختلفة.