الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ليت للإنسان نبل الخيول

29 أبريل 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 29 أبريل 00:08 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في الشهادات التي جمعتها الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا اليكسيفيتش (نوبل للآداب 2015) للمئات من النساء الروسيات اللواتي شاركن في الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا النازية، لفت نظري تلك القصص التي جاءت حول الخيول، وقد وجدت أكثر من رواية تقول إن الحصان لا يمكن أبداً أن يطأ إنساناً ميّتاً، «بالقرب من ستالينغراد، كانت هناك أعداد هائلة من القتلى، لدرجة أن الخيول لم تعد تشعر بالرهبة من الجثث»، هكذا تكتب إحدى السيدات في شهادتها عن الحرب، وقد كانت آنذاك في نحو الثامنة عشرة من عمرها.
امرأة أخرى تدعى أولغا فاسيليفنا كانت في سرية الخيّالة تقول: «أعطوا كل واحدة منّا بذلةً وحصاناً، وكان علينا أن نسقي الحصان ونطعمه، ونهتم بأمره بالكامل»، وفي مكان آخر تقول: «كنّا ننام بين رجلي الحصان فيدفع قدميه قليلاً لكنه لا يطأ الإنسان أبداً، ولا يمكنه بأي شكل أن يدوس على الميّت، ولا يبتعد أبداً عن الجريح ولا يتركه».
حين التحقت هؤلاء الفتيات بالجيش الروسي للمشاركة في الحرب، كانت الواحدة منهن في السادسة عشرة أو الثامنة عشرة وحتى العشرين من العمر. فتيات كانت البنادق والأسلحة أطول منهن، وحين أجرت الروائية اليكسيفيتش هذه الحوارات معهن كنّ قد تزوجن أو البعض منهن قد تزوّج وأنجب (أمّهات وجدّات) كانت الخيول معهن في الحرب.
تقول إحداهن: «كان يقف على المحطة قطاران.. الأول لنقل الجرحى، والثاني لنقل الخيول، وبدأ القصف.. القطاران احترقا».
حين كانت الخيول تصاب بجروح تماماً مثل الجنود فإنها كانت تصهل، وحين كان الحصان يحترق فلا مفر من رميه على الطريق.
كانت الخيل جزءاً أساسياً من ثقافة الروسي ونظامه الإداري أو المدني، غير أن هناك جانباً مأساوياً في هذه الثقافة التي انعكست أحياناً في الأدب، فالحصان الذي كان يخدم الدولة ويهرم ويصبح عبئاً على المخصصات المالية الخاصّة باستخدام فرق الخيّالة، كان يجري إعدامه بإطلاق النار عليه.
تقول سفيتلانا اليكسيفيتش (ترجمة: د. نزار عيون السود): «لا أكتب عن الحرب، بل أكتب عن الإنسان في الحرب. لا أكتب تاريخ الحرب، بل تاريخ العواطف والمشاعر». ولسوف تكون هذه الكائنات النبيلة الجميلة التي لا تطأ لا الأحياء ولا الموتى جزءاً من هذا التاريخ، أي أن الحصان إنسان في داخله المغلق، ولكن كم من البشر يحافظون على كينونتهم الإنسانية في الحرب، وأيضاً، في السلام؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه