تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه يدرس خفض القوات الأمريكية في ألمانيا، وأن «القرار سيتخذ قريباً» ليس جديداً، فقد سبق له أن أطلق عام 2020 تهديداً مماثلاً. في المرة الأولى كان السبب «تخلف» ألمانيا عن سداد التزاماتها المالية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكنه هذه المرة يهدد بسبب إحباطه من الموقف الألماني والأوروبي في عدم دعم حربه على إيران، ثم بسبب تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميريتس الأخيرة المسيئة للأمريكان في المفاوضات الرامية إلى وقف الحرب.
كما تأتي مواقف الرئيس الأمريكي بعد يوم واحد من اجتماع الجنرال كارستن بروير رئيس هيئة الأركان الألمانية مع وكيل وزارة الدفاع الأمريكية البريدج كولبي ومسؤولين عسكريين أمريكيين آخرين لمناقشة أول استراتيجية عسكرية ألمانية بعيداً عن حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقرر أن يعقد قمته المقبلة في أنقرة يومي 7 و8 يوليو (تموز) المقبل.
يذكر أن القوات الأمريكية الموجودة في ألمانيا يزيد عددها على 36 ألف جندي يتمركزون بشكل أساسي في قاعدة رامشتاين، وذلك ضمن نحو 80 ألف جندي ينتشرون في أوروبا، خصوصاً في إيطاليا وإسبانيا وبولندا وبريطانيا بأعداد متفاوتة.
يكشف تهديد ترامب عن أزمة حادة داخل التحالف الأطلسي سوف تترك آثارها حتماً على مستقبل حلف «الناتو»، كما سيؤدي إلى تعميق الخلاف بين الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية التي ترى في سياسات ترامب خروجاً على المبادئ العامة التي ربطت الدول الغربية منذ الحرب العالمية الثانية، وتحديداً ما يتعلق بعدم مشاورة الدول الأوروبية في الحرب على إيران، ولم يتم إبلاغ معظمها إلا بعد بدء الحرب، ما جعل القادة الأوروبيين يعتبرون أن الحرب ليست حربهم، وبالتالي رفضوا المشاركة فيها. كما أن الموقف الأمريكي من الحرب الأوكرانية زاد من مخاوف الدول الأوروبية تجاه مساعي الرئيس ترامب للبحث عن تسوية لهذه الحرب بمعزل عنها، وشعورها بأن الحليف الأمريكي تخلى عن الحماية المفترضة لها، مع تهديده مراراً بالانسحاب من حلف «الناتو»، إذ أثار ترامب في مقابلات وتغريدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي مخاوف القادة الأوروبيين، بقوله مثلاً إن الولايات المتحدة «ستتذكر» رفض فرنسا المساعدة في الحرب على إيران، كما سخر من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قائلاً «لا أريد مساعدتكم بعد الحرب.. لديكم حاملتا طائرات متهالكتان»، كذلك هدد إسبانيا بتعليق عضويتها في حلف «الناتو» في حين هو يهدد بالانسحاب منه، ويعتبره مجرد «نمر من ورق».
السفير الأمريكي السابق لدى «الناتو»، إيفو دالدر، أشار إلى أنه من الصعب تصور كيف ستتمكن أي دولة أوروبية الآن من الوثوق بالولايات المتحدة للدفاع عنها، في حين قال جيف راثكي الدبلوماسي الأمريكي السابق ورئيس المعهد الأمريكي الألماني في جامعة جونز هوبكنز «إن الجيش الأمريكي استفاد كثيراً من وجوده المتقدم في قواعد عسكرية خارجية، بما في ذلك قاعدة رامشتاين في ألمانيا»، وأضاف «إن القوات الأمريكية في أوروبا ليست تبرعاً للأوروبيين الجاحدين- كما يقول ترامب- إنما هي أداة من أدوات النفوذ العسكري الأمريكي عالمياً»، لذلك قد يكون تهديد ترامب بتقليص عديد القوات الأمريكية في ألمانيا مجرد وسيلة ضغط على الحكومة الألمانية، أو تعبيراً عن غضب من المستشار ميريتس. وفي كل الأحوال هناك رفض شعبي أوروبي متزايد للحرب الأمريكية، كما أن هناك أصواتاً داخل ألمانيا تطالب منذ مدة بسحب كافة القوات الأمريكية من ألمانيا ومعها الأسلحة النووية.
وفي مطلق الأحوال، فإن الانسحاب الجزئي من ألمانيا هو خسارة أمريكية صافية، ولن تتأثر به ألمانيا.