جاءت الدورة السادسة عشرة لبينالي الشارقة 2025 تحت شعار «رحالنا»، وفي دورات سابقة جاء البينالي تحت شعارات فكرية ثقافية تعكس المستوى الجمالي والإبداعي الذي وصل إليه البينالي منذ إطلاق دورته الأولى في عام 1993، وإلى اليوم. ومن بين تلك الشعارات التي تنطوي على مفاهيم فلسفية ومعرفية: «الانتماء»، «الماضي، الحاضر، المستقبل»، «التاريخ حاضراً»، في حين جاءت الدورة السابعة عشرة للبينالي من 21 يناير/ كانون الثاني حتى 13 يونيو/ حزيران 2027، تحت شعار «أجيجُ فيما تبقّى)»، وهو شعار يستوقف من يتأمله أولاً من ناحية لغوية، وبحسب المعجم، فإن مصدر «أجيج» هو الفعل «أجَّ»، وأجيج النار: توهّجها، وأجيج الماء: هو صوت انصباب الماء.
لغوياً: تحيل كلمة أجيج إلى الكثير من المعاني وذلك بحسب ارتباط الكلمة بسياقها اللغوي والبلاغي، أما من حيث موقع هذه الكلمة في سياقها الفني والجمالي والفكري في تجارب البينالي، فهي تحيل إلى تفعيل ما تبقّى من مشاريع فكرية تتصل بالتاريخ والتحوّلات والحداثة وقدرة الفن على استيعاب وهضم كل هذه المفاهيم ذات الطابع الفكري أولاً.
في ضوء هذه الإحالات التي تنطوي عليها كلمة الشعار «أجيج»، تندرج أعمال 109 من فنّاني وفنّانات العالم في دورة البينالي السابعة عشرة، وسوف يرى روّاد البينالي هذه الأعمال الأصلية الحرفية في مواقع عديدة في الشارقة، وبالطبع تندرج هذه الأعمال في إطار رؤية تقييمية لكل من القيمتين: أنجيلا هاروتيونان، وباولا ناسيمنتو.
شعار هذه الدورة لافت وشعري في الوقت نفسه، ففي كل ما يتبقى من الذاكرة، والتاريخ، والثقافة هناك ما يتأجج، ويبعث الحياة من جديد في الأفكار والمشاريع والاجتهادات، فلا بد دائماً من جمرة ولو صغيرة تحت الرماد، وإذا أردت أن أجتهد أكثر في تأمل هذا الشعار، فإنني أستحضر هنا أسطورة طائر العنقاء الذي يحترق ثم ينهض حيّاً من رماده.
وتلك هي روح الفنون الإنسانية العظيمة في كل الثقافات والحضارات الحيّة في العالم، إنها توجّج في الذات البشرية روح الأمل، وتجعل من كل ما يتبقى من الموروث والثقافة والفكر مادة قابلة للحياة من جديد، تماماً مثل نهر أو ينبوع مهجور وجاف يعود إليه الماء، ويواصل جريانه على الرغم من الجفاف واليباس.
هذه الأفكار الحية، الحديثة والمعاصرة التي تجري في شرايين البينالي سهرت عليها وعمقّتها في الثقافة الإماراتية والعربية والعالمية الشيخة حور بنت سلطان القاسمي من خلال فكر حرّ وثقافة تشكيلية رفيعة المستوى، وذات صلة مباشرة بتاريخ وذاكرة الفنون في العالم كلّه.
