الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

جرح الإنسانية

1 مايو 2026 01:25 صباحًا | آخر تحديث: 1 مايو 01:25 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
أحياناً يتسلل بهدوء، كالغبار الذي يتسرب من نافذة لم يُحكم إغلاقها، وقد لايكون دائماً حدثاً صاخباً. نراه في المحاكم حين تُتجاهل الحقيقة، وفي الشوارع حين يُعامل الفقر كجريمة، وفي أماكن العمل حين تُدفن الكفاءة تحت وطأة المحسوبية. يظهر في مناطق النزاعات حين يصبح الأبرياء مجرد أرقام، ويظهر في المجتمعات المسالمة حين يصبح الصمت عادةً. الظلم ليس مجرد غياب الإنصاف، بل هو تشويهٌ فعليّ لكرامة الإنسان.
ما يجعل الظلم مؤلماً للغاية هو أنه ينتهك شيئاً عميقاً في النفس البشرية. كل إنسان، بغض النظر عن ثقافته أو دينه، يحمل في داخله توقعاً بأن يكون للحياة معنى، وأن يُكافأ الخير، وألا يكون للمعاناة معنى، وألا يعاقب الناس على ضعفهم. حين يقع الظلم، نشعر وكأن العالم قد نكث بوعده.
لطالما تأملت في الظلم ليس فقط كمشكلة اجتماعية، بل كجرح روحي. في تجربتي الشخصية، يكون الظلم أشدّ إزعاجاً عندما يصبح أمراً عادياً. عندما يبدأ الناس بالقول: «هكذا هي الحياة»، يتحول الظلم إلى نظام بدلاً من كونه حادثاً عابراً. يصبح تقليداً، بل قانون. يصبح قاعدة غير معلنة مفادها أن القوي سينتصر دائماً، وأن على الضعيف أن يتحلّى بالصبر. وفي تلك اللحظة، لا يعود الصراع محصوراً بين المظلوم والظالم فحسب.
إذا كنا صادقين فسنجد أن الظلم قد يسكن داخلنا أيضاً. أحياناً نحكم على الناس بسرعة. وأحياناً ننتفع من واقع غير منصف يفرض علينا، ثم نبرر ذلك لأنفسنا بحسن النية وأحيانًا نصمت لأن الكلام يفقدنا راحتنا. لقد مررت بلحظات سألت فيها نفسي؛ لو كنت أعيش تحت وطأة الظلم، هل كنت سأملك الشجاعة للمقاومة، أم كنت سأختار الأمان وأتظاهر بالحياد؟ هذا السؤال وحده كفيل بإيقاظ الإنسان من غفلته.
روحياً يشكك الظلم في الإيمان عندما يعاني الناس، يتساءل الكثيرون مثل هذه الأسئلة لماذا يزدهر الظالمون؟ لماذا يسحق الصالحون؟ هذه التساؤلات ليست دليلاً على ضعف الإيمان، بل هي دليل على قلب ما زال يدرك الحق الأخلاقي. تُذكرنا الأحاديث النبوية بأن الدنيا اختبار، وأن العدل ليس دائماً فورياً. لكنها تُحذرنا أيضاً: العدل الإلهي لا يبرر تقاعس الإنسان. لم نخلق لنكون مشاهدين للمعاناة، بل خُلقنا لنكون شهوداً للحق.
في القرآن الكريم، الدعوة إلى العدل ليست اختيارية، بل هي أمر يجب الوفاء به حتى وإن تعارض مع المصالح الشخصية. كذلك، يوصف العدل في الكتاب المقدس بأنه شيء يحبه الله، لا شيء يساوم عليه المجتمع. هذه التعاليم ليست مجرد شعر ديني، بل هي بناء أخلاقي. إنها تؤسس لمجتمع لا يعامل فيه البشر كأدوات، بل كأمانة مقدسة.

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه