الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

راحة البقاء في المشكلة

2 مايو 2026 01:05 صباحًا | آخر تحديث: 2 مايو 01:06 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
نعتقد في كثير من الأحيان أن من يتحدث عن مشاكله يبحث عن حل، لكن هذه الفكرة ليست دقيقة كما تبدو...
في الحياة اليومية نواجه نمطاً متكرراً، أشخاصاً يعرضون معاناتهم باستمرار، يعيدون التفاصيل نفسها، ويطلبون النصيحة، لكن دون أي تغيير حقيقي في سلوكهم أو قراراتهم، هنا لا تكون المشكلة في غياب الحلول، بل في غياب الاستعداد لمواجهتها.
خذوا بيئة العمل مثالاً، قد يقضي أحدهم سنوات يشتكي من الضغط أو من أسلوب الإدارة، ومع ذلك يرفض أي فرصة للتغيير، أو يؤجلها مراراً، هذا التناقض لا يرتبط دائماً بالخوف من المجهول فقط، بل أحياناً بالاعتياد على الوضع القائم، فالمألوف حتى لو كان مرهقاً، يمنح شعوراً بالراحة لا يوفره المجهول.
الأمر نفسه يتكرر في العلاقات، نسمع عن علاقات تستنزف أصحابها نفسياً، ومع ذلك تستمر لفترات طويلة، تطرح حلولاً واضحة، لكن يقابلها تردد أو تبرير أو تأجيل، هنا لا تعود المشكلة مجرد ظرف خارجي، بل تتحول إلى حالة داخلية مرتبطة بالهوية، ويصبح الخروج منها أصعب من البقاء فيها.
حتى على المستوى الشخصي، قد يشتكي البعض من قلة الإنجاز أو تشتت التركيز، لكن دون اتخاذ خطوات حقيقية للتغيير، وكأن الحديث عن المشكلة أصبح بديلاً عن التعامل معها.
الأمر لا يرتبط دائماً بالكسل أو ضعف الإرادة، بل أحياناً بطريقة أعمق في التفكير، حين يكرر الإنسان سرد مشكلته، يبدأ عقله في تثبيت هذه القصة كجزء من هويته، ومع الوقت لا يرى نفسه كشخص يمر بظرف مؤقت، بل كشخص معرف بهذا الظرف، وهنا يصبح أي تغيير محتمل تهديداً لهذه الصورة، حتى لو كانت مؤلمة.
لهذا، نجد أن بعض النصائح، رغم وضوحها، لا ترفض بشكل مباشر، بل يتم تجاهلها بهدوء، ليس لأنها غير مفيدة، بل لأنها تصطدم بصورة داخلية لم يتم الاستعداد للتخلي عنها.
في بعض الحالات، تمنح المشكلة صاحبها مكاسب غير مباشرة، مثل التعاطف، أو الاهتمام، أو حتى مبرراً لتأجيل قرارات صعبة، لذلك لا يكون الحل دائماً خياراً مريحاً، لأنه يعني تحمل مسؤولية، والتخلي عن دور اعتاد عليه الإنسان لفترة طويلة، والمفارقة أن بقاء المشكلة قد يبدو، أحياناً، أسهل من إنهائها.
في زمن أصبحت فيه مشاركة المشاعر سهلة وسريعة، قد يتحول التعبير عن المعاناة إلى بديل عن التعامل معها، وبين هذا الحديث المستمر، تتأجل أهم خطوة وهي المواجهة الصادقة مع النفس، والأصعب من حل المشكلة هو التخلي عن النسخة التي اعتدنا أن نكون داخلها، والسؤال الأهم هنا ليس ما هو الحل؟ بل هل نحن مستعدون له فعلاً؟ لأن التغيير لا يبدأ حين نجد الإجابة، بل حين نمتلك الشجاعة لتقبلها.

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه