يعتقد بعض الذين لم يقرأوا تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، أو قرأوه من دون فهم، أن الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان بدأت كردود أفعال قوات الاحتلال على عمليات المقاومة التي خاضتها المقاومة الفلسطينية في بداية السبعينيات من القرن الماضي، جنباً إلى جنب مع العديد من حركات المقاومة الوطنية اللبنانية، لكن من يتمعن جيداً في تاريخ الصراع الذي بدأ فعلياً مع تنفيذ المشروع الصهيوني على الأرض بإقامة إسرائيل عام 1948 على أنقاض الوطن الفلسطيني، وما نتج عن ذلك من سلسلة حروب دامية على مدى ما يقترب من الثمانين عاماً، يكتشف أن ما يجري من اعتداءات على هذا البلد العربي إنما هو في إطار مشروع استعماري قديم، يرتبط بالأهداف والمخططات الإسرائيلية التي كانت، ولا تزال، ترى في لبنان، وتحديداً مياهه، نقطة ارتكاز مهمة لهذا للمشروع الاحتلالي العنصري.
فلبنان يمثل في المنظور الإسرائيلي، موقعـاً جغرافياً حساساً، ومصدراً حيوياً للمياه، وقد سعت إسرائيل عبر عقود للسيطرة على موارده المائية. لا سيما مياه نهر الليطاني، لأن السيطرة على الموارد المائية تعتبر ركيزة استراتيجية ووجودية في هذا المشروع، الذي يتعامل مع مصادر المياه كعنصر حيوي للبقاء، والتوسع الاستيطاني، وهو ما تجسد على الأرض في محاولات نهب المياه الجوفية والسطحية العربية، من خلال مشاريع عدة، منها تحويل مجرى نهر الأردن الذي بدأت إسرائيل بتنفيذه فعلياً عبر ما سمي بـ«الناقل القُطري الإسرائيلي»، في أوائل الستينيات، حيث بدأت ضخ المياه من بحيرة طبريا في عام 1964 وربط البنية التحتية المائية بإنشاء المستوطنات الإسرائيلية، وتنميتها اقتصادياً، ما أدى إلى انخفاض حاد في تدفق النهـــر إلى البــــحر الميت، وانخفاض مستواه بشكل كبير.
ولو عدنا إلى الوراء قليلاً، لرأينا أن السيطرة على موارد المياه العربية كانت هدفاً محورياً للحركة الصهيونية، حتى قبل قيام إسرائيل في عام 1948، حيث أنشأت الوكالة اليهودية التي تأسست عام 1929 شركات مياه لإنشاء شبكة ري في فلسطين، ومن هذه الشركات شركة «عيمق»، وشركة «جلبوع»، وغيرهما،
وتاريخياً، كان أحد أوائل المشاريع التي أطلقت في هذا الاتجاه في تسعينيات القرن التاسع عشر هو منح يوسف نافون، امتيازاً لتطوير واستخدام مياه نهر العوجا، وتوجيهها إلى يافا، وبعده واصل بتسلئيل يوفي أول مهاجر يهودي أوروبي هذا المشروع بتأسيس ما سمي بـ«شركة فلسطين» لتطوير مشروع ري في بيتاح تكفا، وفي عام 1901 وضعت الحركة الصهيونية خططاً لتحويل مجرى نهر الليطاني.
وفي عام 1919 قدمت المنظمة الصهيونية العالمية خريطة لموارد مياه نهري الأردن والليطاني، ومصادر المياه في هضبة الجولان السورية. وبالتالي، لم يكن نهر الليطاني يوماً خارج الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث شكّل هذا الحيز الجغرافي، بما يمتلكه من ثروات مائية وموقع استراتيجي متقدّم على شمال فلسطين المحتلة، أحد أهم عناصر النقاش في الغرف المغلقة التي رسمت خرائط المشروع الصهيوني المبكر.
ولذلك، فإن ما نشهده اليوم من تصعيد إسرائيلي وحرب عداونية مدمرة على لبنان، وجنوبه تحديداً، والحديث الإسرائيلي عن تغيير الوقائع الجيوسياسية في المنطقة، لا يمكن فصله بأي شكل من الأشكال عن صلب التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، حيث أشار بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، والذي هاجر إلى فلسطين من بولندا عام 1906 في أحد تصريحاته، إلى أن ترسيم الحدود لا يخضع للاعتبارات السياسية فقط، بل لمتطلبات الأمن والمياه.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح جنوب لبنان ـ بخاصة المنطقة الواقعة بين الحدود الدولية ونهر الليطاني ـ أحد أبرز مسارح الصراع الجيوسياسي في المرحلة الراهنة، مع بقاء المحاولات الاسرائيلية لفرض تغييرات جغرافية، أو أمنية أوسع، تستهدف لبنان، لا سيما مياهه، كما تشير إلى ذلك صراحة تصريحات العديد من قادة الإحتلال، مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي دعا صراحة إلى احتلال جنوب لبنان قائلاً إنه «ينبغي على إسرائيل تمديد حدودها مع لبنان حتى نهر الليطاني».
