أشارت الكاتبة سارة فاخشوري في مقالة عبر مجلة «ميدل إيست إيكونوميك سيرفي» أن «آليات إدارة سوق النفط تشهد تطوراً سريعا في ظل الصراع في الشرق الأوسط»، لافتة إلى أن «قرار الإمارات الانسحاب من منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» مؤشر على التحولات الهيكلية الراهنة، وسيتعين على المنظمة التكيف مع الواقع الجديد، فالسيطرة على تدفقات النفط أهم من السيطرة على حصص الإنتاج».
قرار طال انتظاره
ورأت أن «قرار الإمارات الانسحاب من «أوبك» يمثل قطيعة، لكنها لم تكن مفاجئة، بل هي تتويج لتوتر هيكلي طويل الأمد بين الاستراتيجية الوطنية والقيود الجماعية، فقد أمضت أبوظبي سنوات في توسيع طاقتها الإنتاجية، مستهدفة 5 ملايين برميل يومياً، بحلول 2027، في ظل نظام حصص لم يعكس هذا الطموح بشكل كامل».
وتابعت: «في الوقت نفسه، انتهجت الإمارات بثبات استراتيجية لتنويع اقتصادها، ساعية إلى تحقيق رؤية طويلة الأجل لا تقتصر على المحروقات وحدها».
وقالت فاخشوري: «توقيت قرار الإمارات بالانسحاب، في حين تكيّف آخرون، يشير إلى حدوث تحول جوهري يتجاوز الحصص والخلافات الداخلية، ليصل إلى البنية الأساسية لكيفية عمل أسواق النفط»، مشيرة إلى أن «الإعلان جاء في وقت كانت فيه تدفقات النفط العالمية مقيدة، بالفعل، بسبب الاضطرابات في مضيق هرمز».
وشددت الكاتبة على أن «الإمارات لا تنسحب في وقت يكون فيه العرض غير محدود، حيث من شأن زيادة الإنتاج أن تُغيّر موازين القوى بشكل كبير، بل تنسحب في لحظة يكون فيها النظام نفسه مُرهقاً بالفعل، ليس بسبب فائض الإنتاج، بل بسبب محدودية التدفق»، معتبرة أن «هذا التمييز يُؤكّد نقطة أهم مفادها أن الضغط على «أوبك» اليوم لا يتعلّق أساساً بكمية النفط التي يُمكن لأعضاء المنظمة إنتاجها، بل بما إذا كان هذا النفط سيصل إلى السوق أصلاً».
إغلاق هرمز
ولفتت إلى أن «السبب المباشر يكمن في النزاع الإقليمي الذي تشارك فيه إيران، وتأثيره في مضيق هرمز، فعلى مدى عقود، اعتمدت آلية إدارة السوق في منظمة أوبك على افتراض أساسي هو إمكانية وصول النفط المنتج إلى السوق، ولم يعد هذا الافتراض قائماً في ظل استمرار الاضطرابات».
وأشارت إلى أن «بعض المنتجين يحتفظون بالقدرة على نقل البراميل إلى السوق، بينما يواجه آخرون اختناقات هيكلية، وفي مثل هذه البيئة، تفقد أهداف الإنتاج الجماعية تماسكها، ولا يمكن لنظام مصمم لإدارة العرض أن يعمل بفعالية عندما تكون القدرة على توفير هذا العرض غير متكافئة».
«أوبك بلس» تحت الضغط
وتابعت: «لا يعني هذا أن «أوبك» أو «أوبك بلس» ستختفي، فقد صمدت المنظمة أمام دورات متكررة من الاضطرابات - مثل انهيارات الأسعار، والانقسامات الجيوسياسية، وانسحاب أعضاء مثل قطر عام 2019. ويكمن سر استمراريتها في دورها كمنصة تنسيق، وليس مجرّد هيئة لتحديد الحصص».
الخدمات اللوجستية
ولفتت إلى أن «من المؤكد أن الذي تغيّر هو تسلسل القوى في أسواق النفط. فعلى مدى عقود، كان النفوذ يُحدّد بحجم طاقة الإنتاج - كمية النفط التي يُمكن للدولة طرحها في السوق. أما اليوم، فيُحدد بشكل متزايد بالمرونة اللوجستية: خطوط الأنابيب، والتخزين، وطرق الشحن، والقدرة على تجاوز نقاط الاختناق».
وأضافت: «من بين منتجي النفط في منطقة الخليج الأعضاء في «أوبك»، لا يملك سوى عدد محدود - أبرزهم السعودية والإمارات - بدائل فعّالة لمضيق هرمز».
دبي وتسعير خام «أوبك»
وشدّدت الكاتبة على أنه «في حال إعادة فتح مضيق هرمز وعودة تدفقات النفط إلى وضعها الطبيعي، قد يؤدي ضعف التنسيق بين أعضاء أوبك إلى انخفاض الأسعار، لكن تداعيات خروج الإمارات قد تتجاوز مستويات الأسعار الإجمالية لتشمل نظام التسعير نفسه، لا سيما على مقياس دبي لخام النفط، الذي يُعد المرجع الأساسي لتسعير معظم صادرات الشرق الأوسط إلى آسيا».
نظام في طور التحول
واعتبرت الكاتبة أن «المشكلة الأعمق التي تواجه أوبك لا تكمن في فقدانها لأعضائها، بل في قدرتها على الحفاظ على أهميتها في نظام باتت فيه السيطرة على تدفق النفط لا تقل أهمية عن السيطرة على الإنتاج».
وتابعت: «أما العامل الذي لن يعود إلى ما كان عليه، فهو التحول الأوسع في فهم أمن الطاقة، حيث يدرك المنتجون اليوم تماماً أن نفوذهم لا يعتمد على كمية النفط التي ينتجونها فقط، بل أيضاً على قدرتهم على إيصال هذا النفط إلى السوق بكفاءة في ظل الظروف الصعبة».
ورأت أن «خروج الإمارات ليس قراراً معزولاً، بل هو مؤشر على هذا التحول، وستتحدد المرحلة القادمة من إدارة سوق النفط ليس بالحصص فقط، بل بالبنية التحتية والمرونة، والتحكم الاستراتيجي في التدفق».
* مؤسسة ورئيسة شركة «إس بي في إنرجي إنترناشونال» ورئيسة مركز أمن الطاقة والدبلوماسية في معهد السياسة العالمية
