بالمعنى القانوني، ولأسباب تخص الرئيس دونالد ترامب في الداخل الأمريكي، انتهت حربه مع إيران، أو بالأحرى «العمليات القتالية» بعد انقضاء مهلة ال60 يوماً الممنوحة له دستورياً لتنفيذ مهام عسكرية بلا تفويض من المشرّعين.
هذه الخطوة تريح ترامب من مواجهة خصومه في الداخل، ولا تعني أكثر من ذلك على صعيد المواجهة المستمرة مع إيران بأساليب غير عسكرية، وإن لم يكن مستبعداً العودة إليها إذا رأى الرئيس الأمريكي ضرورة لذلك.
في قلب هذه المواجهة وأخطر مراحلها أمر مضيق هرمز الذي يراوح منذ توقفت العمليات العسكرية بين الانفراج والتعقيد وتصر إيران على أن تجعله موضوعاً للمراوغة والمساومة وجوهراً للخلاف بحيث تتوارى عن الأنظار ملفات البرنامجين النووي والصاروخي التي من أجلها قامت الحرب. والأخطر أن إيران تحاول أن يبدو موضوع المضيق خلافاً ثنائياً بينها وبين الولايات المتحدة، بحيث يشيع في الأفهام أن لها حق التحكم فيه والتفاوض حوله والإيحاء بأن من حقها أن تضع لمستقبله ترتيبات حقوقاً مستقرة.
هذه المحاولات انتبهت لها الإمارات مبكراً، ولا تزال تواصل جهودها الحثيثة لبناء موقف قانوني دولي لا يتصدى فقط للتعامل الإيراني الراهن مع موضوع مضيق هرمز، إنما يكون أيضاً صاحب الكلمة الفصل في وضع قواعد راسخة تحكم الممر المائي العالمي وتحرره في كل الأوقات من أي شروط إيرانية تختطف حقاً جماعياً وتجعله في عهدة طرف واحد.
الثابت في يقين الإمارات أنه لم يعد ممكناً الوثوق في إيران بعد أن ردت على عقود من حُسن الجوار باعتداءات إرهابية، ولا الاطمئنان إلى نوايا قيادتها الحالية أو المستقبلية بعد تكشّف أن هذه الاعتداءات لم تكن أمراً طارئاً، بل خطط تخفّت طويلاً قبل أن تعلن عن نفسها الآن. وفي كل الأحوال، لا يمكن للعالم، وفي القلب منه دول الخليج بما يتوفر لها من ثروات وارتباط بحركة الاقتصاد العالمي، أن يخضع لأي رغبات إيرانية تتجاوز القانون الدولي المنظّم لحركة الملاحة البحرية والضامن لسلامتها وديمومتها في جميع الظروف.
هذه المواجهة القانونية الواضحة هي عبء تتحمله الإمارات بعيداً عن المصلحة الفردية، وبغضّ النظر عن تأرجح ملف هرمز في أروقة التفاوض الإيراني الأمريكي. وإحدى غايات هذا الجهد الإماراتي المتواصل في مجلس الأمن والمنظمات ذات الصلة حشد إرادة المجتمع الدولي لصياغة حل دائم لا يبقي حرية الملاحة الدولية، ومن ثم الاقتصاد العالمي، في يد طرف يمنح ويمنع حين يشاء.
لا شك أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أوجدت انقسامات في المشهد العالمي منشؤها صراعات ترامب مع القوى الدولية الكبرى، وما نتج عن ذلك من خلافات مع الاتحاد الأوروبي الذي يتحفظ على الانخراط في توابع حرب لم يستشر فيها أو يرفض بعض أوجهها. ورغم هذا، تتحرك الإمارات لحل هذا المأزق العالمي المتعلق بالمضيق، لأنه أمر يخص مستقبل العالم كله.
