على الرغم من تضارب التصريحات حول إلغاء «مركز التنسيق الأمريكي» الذي أنشىء لمراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، فإن ذلك لا يلغي حقيقة بقاء هذا المركز عاجزاً عن القيام بالمهام التي أنشىء من أجلها، بسبب العراقيل الإسرائيلية، وتعثر تنفيذ «خطة غزة».
ما بين التأكيد والنفي، ثمة ما يشي بأن الإدارة الأمريكية تعتزم الغاءه بالفعل، ضمن ما وصف بأنه عملية «إصلاح شامل» تقضي بدمجه مع «قوة الاستقرار الدولية» المقرر نشرها في القطاع، وتحويله مع بدء انتشار هذه القوة إلى «المركز الدولي لدعم غزة». لكن ذلك لا يقلل من أهمية التساؤلات التي باتت تطرح حول توقيت هذا التحول، وأهدافه، وعلاقته بتنفيذ «خطة غزة» التي يفترض أنها دخلت مرحلتها الثانية في ظل التوتر الإقليمي الدائر في المنطقة، وتداعياته المحتملة.
في البدء، كانت مهمة المركز مراقبة اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، والعمل على تدفق المساعدات الانسانية لسكان القطاع الذين يرزحون تحت نير المجاعة، وفق الاتفاق. لكنه، بحسب المراقبين، فشل في تحقيق هذه المهمة، أولاً بسبب التعنت الإسرائيلي في إدخال المساعدات، وسيطرتها المُحكمة على المعابر، ورفض التزامها بالبروتوكول الانساني. وثانياً، بسبب استمرار الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، الذي أسفر عن مقتل أكثر من 800 فلسطيني ونحو 2400 جريح، حتى الآن، والذي بدا محرجاً لمهمة المركز، العسكرية والمدنية.
ومن جانب آخر، جاء هذا التغيير ليترافق مع بدء المرحلة الثانية من الاتفاق، والتي اصطدمت بعقبات جوهرية تتعلق بنزع سلاح القطاع، والانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، وتسليم السلطة للجنة إدارة غزة الجديدة، وإمكانية فتح مسار سياسي لحل الصراع. وهو صدام ناجم أساساً عن التشبث بالأولويات، إذ بينما يصرّ الجانب الإسرائيلي على «نزع السلاح» قبل أي شيء آخر، يتمسك الجانب الفلسطيني باستكمال تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى، قبل الانتقال للمرحلة الثانية.
وبين هذا وذاك، لا تزال «قوة الاستقرار الدولية» غير جاهزة للانتشار، ومعها تقف قوة الشرطة الفلسطينية الجديدة على لائحة الانتظار، وكذلك لجنة التكنوقراط لإدارة غزة، فيما لم تسفر الحوارات الجارية في القاهرة، بين الوسطاء والأطراف المعنية، عن حلول حاسمة لكل هذه القضايا الشائكة.
وسط كل هذه التعقيدات، لا يكتفي الجيش الإسرائيلي وجنرالاته بمواصلة المقتلة اليومية للفلسطينيين، وإنما بمعاودة التهديد، بين الحين والآخر، بالعودة إلى الحرب والحسم العسكري، بعد الانتهاء من القتال على الجبهات الأخرى، ما يعني الانقلاب على «خطة غزة»، وفرض واقع جديد قد يعيد الجميع إلى المربع الأول.
ولكن، ربما يؤشر تغيير مهمة «مركز التنسيق الأمريكي» إلى إبقاء ملف غزة على قيد الحياة، بعد أن أصبحت خارج الحسابات راهناً، في ظل الأولويات الأمريكية المرتبطة بالتصعيد الإقليمي، بانتظار معرفة ما ستؤول إليه التداعيات الجارية، في المنطقة والعالم.
