رغم الخلافات والاختلافات المذهبية والأيديولوجية بين التنظيمات الإرهابية والتكفيرية إلا أنها جميعها ترى في الدولة الوطنية «كياناً طارئاً» و«صناعة استعمارية» يجب تحطيمها حتى تكون الظروف جاهزة لهم للوصول إلى أهدافهم بتشكيل «جماعة عابرة للحدود» لتحقيق أهداف «ولاية الفقيه» أو «الخلافة»، ولهذا فإن أول ما قام به تنظيم داعش في 11 يونيو عام 2014 هو إزالة الحدود بين العراق وسوريا، كما أن عناصر حزب الله اللبناني لا يحترمون الحدود الوطنية للدول عندما ينتقلون لتدريب الميليشيات في سوريا والعراق واليمن، وظل «تقويض السيادة» وهدم صورة الدولة هو الهدف الأول الذي تعمل عليه التنظيمات الإرهابية من مختلف المذاهب بما يؤدي في النهاية إلى «تقويض وتآكل شرعية الدولة» في عيون مواطنيها.
خير شاهد على الخسائر التي تتسبب فيها التنظيمات الإرهابية هو ما جرى في السودان، وكيف تسبب الإخوان في انفصال الجنوب عن الشمال في نوفمبر 2011، وقتل آلاف المواطنين من أبناء دارفور، ثم التسبب في الحرب الحالية التي دخلت عامها الرابع في 15 إبريل الماضي، وهو نفس السلوك الذي يقوم به حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وكلها باتت تنظيمات تنشر الخراب وعدم الاستقرار في المنطقة كلها. وخلال العقدين الماضيين تماهت الأدوات والأهداف التي تعمل بها التنظيمات الإرهابية حيث سعى تنظيم الإخوان إلى السيطرة على المنطقة العربية عبر ما سمي بثورات «الربيع العربي»، وتوسع داعش والقاعدة ليس فقط في سوريا والعراق، بل وصلا إلى مناطق بعيدة منها مساحات واسعة في آسيا الوسطى، وجنوب القوقاز، وجنوب وجنوب شرق آسيا خصوصاً تنظيم «داعش خرسان»، ناهيك عن الانتشار غير المسبوق للجماعات الإرهابية في مناطق الساحل والصحراء، وغرب إفريقيا، ومنطقة القرن الإفريقي وبحيرة تشاد.
ميليشيات تأخذ من فكر الإخوان العنيف
وإذا كان هذا يتعلق بالتنظيمات السنية فإن نفس الأمر قائم بالنسبة للتنظيمات الشيعية بعد أن عمل «فيلق القدس» بقيادة قاسم سليماني على تمويل وتعزيز القدرات العسكرية لقوات «الحشد الشعبي» التي تتكون من 70 ميليشيا ومجموعة عسكرية لتكون ذراع إيران في العراق والمشرق العربي، بالإضافة إلى تشكيل ما يسمى «الفصائل الولائية» التي تؤمن بولاية الفقيه مثل كتائب حزب الله العراقي، وعصائب أهل الحق، ومنظمة بدر، وحركة النجباء، وفرقة العباس، ولواء علي الأكبر، ناهيك عن «لواء الفاطميون» و«لواء الزينبيون»، وتعمل هذه التنظيمات على تحقيق هدف رئيسي هو «تصدير الثورة الخومينية» كما ينص الدستور الإيراني، وتصدير نموذج الحكم الإيراني إلى الخارج، وجعل الولاء السياسي والمذهبي مرتبطاً بالمرشد الأعلى في طهران بدلاً من الأوطان، وهو ما كشفت عنه التحقيقات الأخيرة مع التنظيمات الإرهابية التي تم ضبطها في الإمارات والكويت في شهر إبريل الفائت. وبدعم من الحرس الثوري الإيراني ذهب حزب الله اللبناني بعيداً إلى منطقة المثلث الحدودي بين الأرجنتين والبرازيل وباراجواي لتهريب المخدرات، وغسل الأموال وشراء السلاح، وتوجد خلايا تدعمها إيران في غرب إفريقيا مثل نيجيريا وساحل العاج، كما أعلنت الدول الأوروبية أكثر من مرة عن أنشطة للحرس الثوري الإيراني خصوصاً في ألمانيا وهولندا، وهو ما دفع دول الاتحاد الأوروبي مؤخراً إلى تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.
ونتيجة لكل هذا فإن الأثر الوحيد التي تتركه التنظيمات الإرهابية في أوطانها هو الفقر والتخريب والاستنزاف حيث تحل القنابل والأحزمة الناسفة محل التنمية والازدهار، كما أدت سيطرة التنظيمات المتطرفة على بعض الدول مثل اليمن والعراق ولبنان وبوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى وباقي دول الساحل والصحراء إلى تعميق الفقر، وتدمير البنية التحتية، وهي خسائر تقدر بتريليونات الدولارات، الأمر الذي أعاد مجتمعات ودولاً كثيرة إلى الوراء عشرات السنوات.. فما هي العوامل المشتركة بين كل التنظيمات الإرهابية من مختلف المذاهب؟ وما هي الأدوات التي يعملون بها، والأهداف التي تسعى إليها كل جماعة من تلك التنظيمات الظلامية؟
تدريبات التنظيم الخاص للإخوان على العنف
أدوات مشتركة
لا يوجد اختلاف في الأدوات التي تعمل بها وعليها جميع التنظيمات الإرهابية المدعومة من «ولاية الفقيه» أو «التنظيم الدولي للإخوان»، وأبرز تلك الأدوات هي:
أولاً: إضعاف الجيوش
أول ما تعمل عليه التنظيمات الإرهابية هو إضعاف الجيوش الوطنية وإخراجها من الخدمة كما فعلوا عملياً في اليمن عبر حروب الحوثيين الست ضد الجيش اليمني، ونفس السيناريو جرى في العراق عبر الحشد الشعبي، وفي لبنان عبر «حزب الله»، ولهذا تبدأ التنظيمات الإرهابية باستهداف القوى الأمنية. وليس الهدف فقط هو قتل الجنود والضباط، بل كسر صورة الدولة التي تقدم الأمن والسلام والاستقرار للمواطن، حتى يشعر هذا المواطن بأن أفراد جيشه وشرطته غير قادرين على حماية أنفسهم بما يزعزع إيمان المواطن بقدرة الأجهزة الأمنية لبلاده على حمايته، وهو ما يفتح الباب لظهور «بدائل أمنية» ميليشياوية.
ثانياً: احتكار السلاح
وفق مفهوم الدولة الوطنية فإن الدولة والحكومة الشرعية هي التي تحتكر «الاستخدام المشروع للقوة»، التي دائماً تكون في إطار القانون، وبما يحافظ على النسيج الاجتماعي والسياسي للدولة، لكن التنظيمات الإرهابية، مثل داعش والقاعدة وحزب الله والحوثيين وميليشيات الحشد الشعبي، تعمل دائماً على تجاوز أحد أهم أركان السيادة الوطنية عبر استخدامها القوة، وشراء السلاح، وممارسة القتل وفق قوانينها الخاصة، بهدف خلق «دويلات» داخل الدولة، وهو ما ساهم في انتشار الحروب الأهلية، وفقدان الأمن والسلم الأهلي، ولهذا تصور التنظيمات الظلامية الدساتير والقوانين كأنها «كفر أو تبعية للخارج» حتى تنزع الشرعية عن القضاء ومؤسسات التشريع، ليكون «قانون الغابة» أو أحكام التنظيم هي المرجع الوحيد، ويؤدي كل ذلك في النهاية إلى فقدان هيبة القانون وتراجع مكانة مؤسسات الدولة.
إرهابيون عابرون للحدود
ثالثاً: الجيوش الموازية
أخطر ما تمثله التنظيمات الإرهابية أنها باتت بمثابة «جيوش موازية» داخل دولها، وتملك مقدرات عسكرية أكثر من الجيوش الوطنية ذاتها، كما هو الحال في لبنان والعراق حيث يمتلك حزب الله والحشد الشعبي قدرات عسكرية كبيرة تفوق ما لدى الجيشين اللبناني والعراقي، خصوصاً ما يتعلق بالمسيرات الانتحارية، والصواريخ البالستية والصواريخ المجنحة، وغالبية هذه الأسلحة تأتي من إيران أو يقوم الحرس الثوري بشرائها لصالح تلك التنظيمات، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تهديد مصادر الطاقة والممرات البحرية عبر تلك الجيوش الموازية.
رابعاً: تدمير الخدمات
تقديم الخدمات عبر مؤسسات الدولة وجهازها الإداري هو ما يربط المواطن بدولته على مدار الساعة حيث يتلامس مع هذه الخدمات بشكل يومي، وحتى تقدم الجماعات الإرهابية نفسها كبديل للدولة تقوم بتدمير الأصول التي تقدم هذه الخدمات مثل محطات الكهرباء وخطوط الغاز والمدارس والمستشفيات، والهدف هو إظهار الدولة في مظهر العاجز عن تقديم الخدمات الأساسية. ومع ظهور الفراغ في الخدمات تبدأ تلك التنظيمات في تقديم نفسها بديلاً إدارياً للدولة يوفر الخدمات لمن يدين لها بالولاء، وهو ما جاء بالضبط في كتاب «إدارة التوحش» الذي نشره تنظيم القاعدة عام 2004، وبات دليلاً لكل التنظيمات الإرهابية السنية والشيعية، حيث يشرح كيفية استهداف تلك التنظيمات لقطاعات حيوية مثل السياحة والاستثمار الأجنبي، لأن فقر الدولة وضعف مواردها يحدان من قدرتها على التنمية، ويؤديان إلى زيادة معدلات البطالة، وهي عناصر ضرورية للبيئة الاجتماعية التي تستغلها التنظيمات لتجنيد الشباب المحبطين والفقراء، كما جرى في جنوب لبنان في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، ويجري الآن في مناطق كثيرة في إفريقيا وآسيا، فالدولة بكل مؤسساتها الوطنية وقوانينها المستقرة هي العائق الحقيقي أمام تمدد التنظيمات الإرهابية، ولهذا فإن استراتيجية التنظيمات التكفيرية لا تقتصر على الهجمات على الجيش والشرطة والقضاء، بل تركز على المرافق الإدارية والخدماتية حتى تصبح الدولة مشلولة وغير قادرة على القيام بدورها.
خامساً: التوظيف المذهبي
رغم أن دوافع هذه التنظيمات سياسية وهدفها النهائي هو السيطرة على الحكم، إلا أنها تقوم على توظيف الدين أو المذهب ضد كل من يخالفها أو يعترض عليها، ولهذا نجد الضحايا المسلمين من العمليات الإرهابية هم الأكثر في العالم، فالخلافات بين تلك التنظيمات حادة، وصراعاتها وجودية، ولهذا قامت التنظيمات السنية بتكفير ليس فقط غير المسلمين، بل كل مسلم يرفض منطقها وسرديتها، الأمر الذي خلق حالة من الانقسام في المجتمع. والأمر نفسه لدى التنظيمات الإرهابية التابعة لإيران تعتمد «استراتيجية المظلومية التاريخية» والارتهان لدولة وقوى خارجية ما جعل المواطنة تبدو «ثانوية» للغاية عند مقارنتها بانتمائهم وولائهم للمذهب، وهو ما قاد في النهاية إلى ضعف «الهوية الوطنية الجامعة» واستبدالها بهويات فرعية متصارعة ومتقاتلة، فجماعات الإخوان وداعش والقاعدة وبوكو حرام وحزب الله والحشد الشعبي والحوثيين هم في الأساس «أدوات» لهدم الدول، وتوفير مبررات للتدخل الخارجي، وهو ما يحول جغرافيا الوطن إلى ساحة للنفوذ الخارجي.
ميليشيا أبو العباس
سادساً: الاستعلاء والاستحلال
تتفق جميع التنظيمات الإرهابية في أنها تشعر بالاستعلاء على باقي طبقات المجتمع، وهو ما يعطيها الحق - وفق منهاجها- لاستحلال دماء وممتلكات الشعب والدولة بعد ذلك، وفي سبيل تبرير تكفير المجتمع تستند الجماعات التكفيرية إلى ما جاء في كتب قادة «الإخوان وولاية الفقيه» كأساس لانفرادها بالتشريع والسيطرة على «السلطة المطلقة»، واعتبار أي نظام قانوني أو سياسي خارجاً عن الإسلام. وتستخدم هذه التنظيمات هذه الأدوات لشرعنة العنف، وذلك عبر التشكيك في المجالس التشريعية والنيابية، ولهذا يشبهون المجتمعات الحديثة بالمجتمعات الجاهلية التي كانت قبل الإسلام، بما يبرر لهم القتل وشن الحروب تحت عنوان «الجهاد المسلح» لإسقاط الدولة، وهو ما نراه في عمليات الاغتيالات السياسية عند التنظيمات السنية، و«الثلث المعطل» الذي ظل يقوم به حزب الله في لبنان من أجل تعطيل عمل البرلمان، والترهيب بقوة السلاح، وهو ما يشكل ضرباً للوحدة الوطنية والنسيج السياسي للدولة التي تعتمد على «مبدأ المواطنة» بينما يعمل الإرهابيون على الانقسامات وإثارة النعرات الطائفية والعرقية، وتفتيت المجتمع إلى هويات فرعية متصارعة حتى يكون الولاء للتنظيم أو الطائفة مقدماً على الولاء للوطن.
سابعاً: العقل النقدي والوعي الوطني
لعل مسمى «بوكو حرام» أو «التعليم حرام» لأبرز جماعة إرهابية في إفريقيا خير شاهد على سعي التنظيمات المتطرفة إلى القضاء على التفكير النقدي للمجتمع، والسعي إلى نشر الجهل حتى يمكن السيطرة على المجتمع بسهولة، لأن التنظيمات الظلامية تعلم أن العقل النقدي والوعي الوطني هما خط الدفاع الأول عن مؤسسات الدولة، ولهذا أول ما تقوم به التنظيمات الإرهابية في المناطق التي تسيطر عليها هو تغيير المناهج الدراسية حيث تلغي فيها مفهوم الوطن، ومعنى الحدود.
ثامناً: ساحة مقايضة
تعمل كافة التنظيمات الإرهابية على تحويل مجتمعاتها إلى «ساحة مقايضة» لصالح قضايا التنظيم أو «الولي الفقيه» حيث دخلت التنظيمات الإرهابية إلى جانب إيران في حربها ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وتستغل إيران الحشد الشعبي وحزب الله اللبناني والحوثيين أوراقاً تفاوضية مع الولايات المتحدة في الملفات النووية والصاروخية، وكلما زاد الضغط على النظام الإيراني زاد من تحريك هذه الأدوات الإرهابية في الدول العربية، وهو ما يؤكد أن أهداف هذه التنظيمات ليست وطنية أو إصلاحية، بل هي أهداف جيوسياسية ترمي إلى تحويل الدول التي تنشط فيها من دول ذات سيادة إلى دول تابعة أو ضمن محاور ممزقة تدور في فلك المشروع الإيراني.
تاسعاً: أساليب تمويلية
لدى التنظيمات الإرهابية بمختلف مذاهبها أدوات تمويلية متشابهة، فهي تتعاون مع المجموعات الإجرامية ومهربي المخدرات والكبتاجون لشراء السلاح وحشد المقاتلين، وبات لدى تلك التنظيمات استثمارات ضخمة مثل استثمارات «الإخوان» في العقارات القديمة في لندن، وتجارة الألماس في إفريقيا، وغسل الأموال في أمريكا اللاتينية والكاريبي. كما باتت تلك الجماعات تحصل على تبرعات بالعملات المشفرة يصعب مراقبتها أو مصادرتها، ناهيك عن استخدام غرف الدردشة المغلقة والألعاب الإلكترونية لتجنيد الشباب في صفوفها.
في الحلقة المقبلة سوف نكشف العلاقة العضوية والفكرية بين مختلف التنظيمات الإرهابية، وكيف يدعم تنظيم الإخوان والميليشيات الشيعية بعضها، وكيف تأثر الخوميني بكتب سيد قطب، ولماذا تظاهر «الإخوان» في الجامعات والساحات دعماً للثورة الخومينية عام 1979، ولماذا دعم المرشد الثاني علي خامنئي المتظاهرين في ميدان التحرير في خطاب متلفز باللغة العربية؟