الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
جماليات إماراتية

سعاد الزعابي.. الألوان تروي حكاية مدينة

8 مايو 2026 23:49 مساء | آخر تحديث: 8 مايو 23:51 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
سعاد الزعابي
سعاد الزعابي
icon الخلاصة icon
مقال عن سعاد الزعابي: تجريد وتعبير لوني لمشهد معماري محلي يمزج التراث والطبيعة ويوازن الوضوح والغموض ليصنع ذاكرة مدينة
تبرز أهمية الفن التشكيلي، في قدرته على إعادة صياغة المشهد الواقعي ضمن تجربة فنية تتجاوز حدود التوثيق التقليدي ولا سيما في تمثيل المدن والعمارة، فالفنان ينقل تفاصيل المباني والشوارع، ويعيد إنتاجها عبر رؤية جمالية بأبعاد فكرية وإنسانية، فتتحول المدينة أو المشهد المعماري إلى فضاء غني بالرموز، فتتقاطع الطبقات التاريخية مع التجارب الفردية والجماعية، لتشكل ذاكرة بصرية ورمزية تعكس مفاهيم الهوية والانتماء، وتكشف عن التحولات الثقافية والاجتماعية التي تمر بها المجتمعات عبر الزمن.
تقدم الفنانة سعاد الزعابي في اللوحة التي بين أيدينا، معالجة بصرية لمشهد معماري محلي، تستند فيها إلى مقاربة فنية تجمع بين التجريد والتعبير اللوني، وتعيد فيها قراءة البيئة المحيطة بمنظور جمالي يمنح العناصر المعمارية حضوراً أكثر حيوية وثراءً، ويبرز في العمل توظيف مدروس للألوان والإيقاعات البصرية، بما يسهم في خلق حالة من التوازن بين الشكل والمضمون، كما تستلهم الفنانة مفرداتها من التراث المحلي والطبيعة، لتنسج عبرهما رؤية فنية معاصرة تعكس ارتباط المكان بذاكرته الثقافية وتمنحه بعداً بصرياً خاصاً.

ذاكرة

أنجزت سعاد الزعابي اللوحة ضمن بناء بصري متعدد الطبقات، حيث تتدرج المشاهد من المقدمة إلى الخلفية بطريقة شبه سينمائية، في الأسفل نلحظ حضور الطبيعة الخضراء والمياه، التي تشكل قاعدة بصرية للعمل، بينما تتوسط اللوحة كتلة معمارية تراثية توحي بحصون أو مبانٍ تاريخية، قبل أن تتصاعد العين نحو السماء المفتوحة المليئة بالغيوم.
وقد حققت بذلك الفنانة تدرجاً عمودياً في حركة البصر لتخلق توازناً مدهشاً بين الأرض والسماء، وبين المباني الثابتة والحركة في اللون وضربات الفرشاة، كما عمدت الفنانة إلى توزيع الكتلة الرئيسية للعمل بشكل غير تقليدي، فنلحظ أن اللوحة على مركز واحد، وتوزعت عناصرها بشكل يجعل العين تنتقل فيها باستمرار، وهو ما يعزز حيوية المشهد.
ولعل ما يلفت النظر في اللوحة هو القدرة العالية لدى الزعابي في المزج بين الوضوح والغموض، فقد جاءت المباني واضحة نسبياً، بينما الخلفيات والطبقات المحيطة بها تتفكك إلى بقع لونية، وكأن الفنانة أرادت تصوير مشهد المدينة وهو ينبثق من الذاكرة لا من الواقع المباشر، وهذا الأسلوب يعكس توجه الرؤية الفنية للعمل نحو التجريد، وذلك لإعادة بناء المشهد بصرياً وشعورياً.

تأمل

يعتبر اللون في هذا العمل هو العنصر الأكثر حضوراً وسيطرة في اللوحة، حيث تعتمد الفنانة على لوحة لونية غنية ومفتوحة، تتوزع بين الأزرق الفيروزي، والأخضر العشبي، والبنفسجي، والأصفر، إلى جانب حضور واضح للبياض في مشهد الغيوم في مساحة السماء، وشكل هذا التنوع اللوني بنية أساسية في بناء المشهد وإيقاعه الداخلي.
وقد حملت الألوان المتنوعة هنا دلالات رمزية وتعبيرية، فاللون الأزرق يهمين على المساحة العلوية، مانحاً إياها إحساساً بالاتساع والسكينة، في حين يحضر الأخضر في المقدمة ليعكس دلالات الحياة والنماء، ويسهم في موازنة ثقل الكتل المعمارية، أما البنفسجي وتداخلاته اللونية في المنطقة الوسطى، فتضفي بعداً حالماً يخفف من مباشرة الواقعية، ويدفع بالمشهد نحو أفق تأملي أكثر انفتاحاً.
ولا تقل طريقة تطبيق اللون أهمية عن اختياره، إذ نلاحظ اعتماد الفنانة على النقط اللونية المتناثرة لتمنح العمل طابعاً من البهجة والاحتفاء، تظهر في الألوان المتناثرة التي تشبه الاحتفالات أو الزخارف الشعبية، وفي الوقت نفسه، هناك هدوء في السماء وتوازن في التكوين، يمنح العمل عمقاً تأملياً، وهذا التناقض بين الصخب والسكينة هو ما يمنح اللوحة قوتها التعبيرية، ويجعلها مفتوحة على تأويلات متعددة، وهو من سمات الفن التجريدي الذي يتيح للمتلقي حرية القراءة.
هذه الدقة التقنية في الاختيار والتنفيذ تكشف عن وعي فني عال وخبرة في ضبط العلاقات اللونية، بحيث يتحقق التوازن اللوني والتعبيري دون تشتيت في بناء فني محكم، كما يبرز التباين بين الألوان الباردة، مثل الأزرق والأخضر، والألوان الدافئة، كالأصفر والوردي، في خلق حركة داخلية خفية تكسب اللوحة حيوية خاصة، وتجعلها تبدو وكأنها في حالة حركة مستمرة أمام عين المتلقي.
اللوحة
اللوحة

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه