الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
ناجي صادق شراب
أكاديمى وباحث
أحدث مقالات ناجي صادق شراب
17 أبريل 2026
الإمارات وإيران.. ونموذج كانط في السلام

د. ناجي صادق شراب

دولة الإمارات ليست طرفاً مباشراً فى الحرب الإيرانية، لكنها وجدت نفسها طرفاً مدفوعاً إليها كباقى دول الخليج العربي بسبب الاعتداءات الإيرانية التى استهدفت بنية الدولة وإنسانها ونموذجها الذي كافحت منذ نشأتها في بنائه وهو النموذج الأقرب إلى النموذج الكانطي فى مواجهة النموذج الإيراني المغاير، وهو نموذج التنوير والسلام والتسامح وبناء الإنسان وتبنيها لنموذج القوة الناعمة الشاملة التي وضعتها في مصاف الدول المتقدمة في مؤشرات السلام والسعادة والتسامح والرفاهية،وهذا لم يمنع أن تبني الدولة قوتها الصلبة ببناء قوة عسكرية هدفها حماية هذا النموذج وليس من أجل الحرب. فالإمارات وعلى مدار تاريخها لم تعتدِ على غيرها بل تبنت سياسة حسن الجوار حتى مع إيران رغم احتلالها لجزرها الثلاث 1971. 
بل ذهبت دولة الإمارات إلى أبعد من ذلك، وحافظت على علاقتها الدبلوماسية مع إيران وتبنت مقاربة الدبلوماسية لتثبت حقها فى جزرها.
ولعل هذه الحرب التي تشهدها منطقة الخليج كشفت عن بعد مهم وهو حرب نموذج الحكم الرشيد وحرب القيم. وتستحضر هذه الحرب النموذج الكانطي التنويري، وهو نقيض نموذج التعصب والتشدد الأيدولوجي ونظام الحكم الثيوقراطي الذى تتبناه إيران. وكما جاء في كتاب كانط فيلسوف السلام العالمي «مشروع السلام العالمي» الذي تحدث فيه عن مشروع دستور تلتزم به الأمم جميعاً درءاً للحروب. وعنده أن «كل إنسان عقلاني له حق طبيعي في الحرية، والحروب تمثل المأساة الكبرى ومصدر كل الشرور»، وأعلن أن «أكبر شر يصيب الشعوب لا يعني الحرب الماضية ولا الحرب الحاضرة بل الاستعداد للحرب القادمة». وعنده أيضاً «أن الحروب لا تحقق السلام وتخلو من العدالة». هذه العبارات الموجزة توضح لنا أن النموذج الإماراتي يعتبر ترجمة كامله للنموذج الكانطى في السلام والتنوير والحداثة والعدالة وتجنب الحرب، وفي المقابل فإن النموذج الإيراني الذي يقوم على الحكم المطلق ويفرض قيوداً على حرية الفكر، يطرح سؤالاً: لماذا إصرار إيران على امتلاك كل هذه القوة والسعي لامتلاك القوة النووية، والسعي للسيطرة ومحاربة كل نموذج تنويري إنساني يناقض نموذجه؟.
إن الخطر الحقيقي من هذا المنظور ليس امتلاك دولة الإمارات والدول الخليجية الأخرى القوة العسكرية، وهى قادرة، بل قوتها الحقيقية في نموذجها في الحكم الرشيد وفي المواطـنة الكامـــــلة وممارسة كـــــــــل الحــــقــوق الـســــياســــية والاجتماعية والتمكين السياسي والمشاركة في الحكم وبناء دولة المؤسسات السياسية. هذه هي مــــصادر الخطر التي تراها إيران لأنها بحكم التجاور الجغرافي والعلاقات البشرية ستكون دافعاً قوياً للشعب الإيراني في أن يقاوم النموذج الذي يحاول النظام تكريسه.
وكما يقول المفكر الإيراني عبد الكريم سروش، إن أخطر ما يهدد المجتمع الإيراني ليس الحرب من الخارج بل قمع المستبدين في الداخل للأصوات المطالبة بالحرية والعدالة.
لقد دافع كانط عن استقلالية الإنسان وتحرره من السيطرة على وعيه وفكره، وهذا معنى التنوير وأساس الحكم الرشيد، وهنا المقارنة بين النموذج الإماراتي الذي يقوم على الحكم الرشيد وعقلانيته والنموذج الإيراني الذى يقوم على الإنغلاق الفكري ومصادرة أي حرية للفكر والنقد الإيجابي في تحويل الإنسان إلى مجرد فرد رعية يسود فيها النظام الرعوي الأبوي.
وتحدث كانط عن حق المواطن فىي التفكير والمشاركة السياسية، وهنا الفرق الآخر بين النموذجين، هنا إنسان مواطن بحقوق إيحابية، وهناك مواطن يتعرض للقمع والعنف الفكري والحرمان السياسى. كما تحدث كانط عن مفهوم السلام الأبدي وأساسه قيام أنظمة حكم تحترم القوانين والعدالة وعدم التدخل في شؤون غيرها. وهنا النموذح الإماراتي الذي يتبنى مفهوم السلام الشامل، وما «وثيقة الأخوة الإنسانية» إلا مثالاً، فيما النموذج الإيراني يقوم على دعم الميليشيات والفصائل وخلق وكلاء له في دول أخرى، كما النموذج اللبناني والعراقي واليمني.
ولعل من أبرز ما يوضح قوة النموذج الإماراتي كيف لدولة الإمارات أن تحتضن أكثر من مئتي جنسية تعيش على أرضها بكامل حقوقها وتتمتع بروح الانتماء والولاء الواحدة كتعبير عن روح الإنسانية وقيم التسامح والتعايش التي تميز نموذج الإمارات مقابل نموذج لا يحترم حقوق الأقليات ويقوم على سيطرة جماعة واحدة. 
وفي هذا السياق، المقاربة تكمن في الإجابة عن التساؤل: لماذا استهداف الإمارات في حرب ليست طرفاً فيها بل تعارضها، والإجابة تكمن في محاربة نموذج التنوير والإنسانية والسلام الإنسانى وبناء الإنسان الرشيد، وهو نموذج يشكل الخطر الحقيقي على النموذج الإيراني الذي يقوم على القوة، وفكرة تصدير الثورة والهيمنة والسيطرة واحتلال أراضي الغير من خلال احتلالها للجزر الثلاث التابعة للإمارات، والسعي لفرض نظرية الاستعلاء القومي الذي يميز السلوك السياسي الإيراني.

[email protected]

3 أبريل 2026
أحلام الهيمنة لن تتحقق

مقاربات ونظريات كثيرة تفسر لنا الحرب التي تشهدها المنطقة بأبعادها الإقليمية والدولية، ومنها نظرية الهيمنة البحرية ونظرية القلب. والسؤال الرئيسي لهذه الحرب: لماذا استهداف دول الخليج العربي رغم مواقفها المعارضة للحرب ودعوتها الدائمة للحوار والتمسك بسياسات حسن الجوار؟ الإجابة قد تكمن في التفسير الجيوسياسي، وابتداءً وبإيجاز نظرية الهيمنة، وهي مصطلح معقّد وأصله الكلمة يونانية التي تعني الحكم أو الأمر. وأول من تناوله المؤرخ اليوناني ثيوسيديدس في وصف الهيمنة الأثينية في الحرب البيلونيزية مع أسبرطة، ويفسرها المفكر الأمريكي جون ميرشماير في بلوغ دولة من القوة تمكنها من السيطرة على الدول الأخرى. هذه النظرية تفسر لنا اليوم دوافع الولايات المتحدة في هذه الحرب ومحاولتها السيطرة على المنطقة، فمن يسيطر على اليابسة يسيطر على العالم. والنظرية الثانية التي تفسر لنا أسباب الحرب وسعي أطرافها للسيطرة على المنطقة وهو ما يعرف بنظرية قلب الأرض، وهي نظرية جيوسياسية للجغرافي البريطاني هالفورد ماكندر، وملخصها أن من يسيطر على منطقة آسيا الوسطى يسيطر على العالم، ومن يسيطر على أوروبا يسيطر على قلب الأرض، ومن يسيطر على قلب الأرض يسيطر على جزيرة العالم ومن يسيطر على جزيرة العالم يسيطر على العالم بأسره.
ووظفت هذه النظرية في تفسير الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتفسير الحرب البارده بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، وهي أساس سياسات الاحتواء.
كما تفسر لنا هذه النظرية الحرب التي تشهدها منطقة الخليج العربي وهي من أهم المناطق الجيوسياسية والاقتصادية في العالم. وبناء على هذه النظرية يمكن القول أن من يسيطر عليها يسيطر على المنطقة بأكملها وعلى الشرق الأوسط ويعيد رسم خريطته ومناطق النفوذ فيها كما يريد. هذا التفسير ليس بعيداً عن واقع المنطقة والحرب وأهداف أطرافها الثلاث إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. لقد كانت المنطقة تاريخياً وما زالت منطقة استهداف بين القوى الإقليمية والدولية، وارتبطت قوة الدول المهيمنة والمسيطرة على العالم بالسيطرة على المنطقة بإعتبارها منطقة قلب، فقد سيطرت عليها بريطانيا حتى الحرب العالمية الثانية، وبعدها تحولت المنطقة لمنطقة صراع وتنافس بين القوى المهيمنة عالمياً، فالولايات المتحدة تعتبرها أحد ثوابت أهدافها ومصالحها الحيوية وربطت سيطرتها بنظرية الهيمنة الأمريكية على اليابسة، فيما تطلع الاتحاد السوفييتي للوصول للمياه الدافئة في المنطقة من خلال إقامة علاقات مميزة مع مصر والعراق واليمن وغيرها.
وإقليمياً رأينا سعي إيران في زمن الشاه للسيطرة على المنطقة ومحاولته السيطرة على البحرين واحتلاله للجزر الثلاث التابعة لدولة الإمارات، وإصرار إيران على تسمية الخليج العربي بالخليج الفارسي. هذه الصراعات تزامنت مع تحول دول الخليج العربي إلى دول مستقلة، وبفضل حكمة قياداتها حافظت على استقلالها وأقامت مجتمعات مزدهرة والتزام بسياسات تقوم على الأمن والسلام وحسن الجوار وعدم الانجرار إلى الصراعات الإقليمية، ونجحت في بناء دول قوية اقتصادياً، وتبنّت سياسات واستراتيجيات تقوم على الشراكات الاستراتيجية مع الدول الكبرى عالمياً مثل الصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي والهند وتقوية تحالفاتها مع الدول العربية والإسلامية.
هذه القوة والقدرات الجيوسياسية والاقتصادية تفسر لنا الأهداف غير المعلنة والحقيقية لأطراف الحرب الثلاث. فهذه الحرب هدفها الرئيسي السيطرة على المنطقة والتحكم في مواردها. فمن جهة تحاول الولايات المتحدة تثبيت وجودها لإبقاء تفردها على رأس النظام الدولي، وإيران من ناحيتها منذ زمن الشاه وحتى الآن تعتبر المنطقة في نطاق نفوذها من خلال إصرارها على احتلال جزر الإمارات الثلاث، والمضي في عدوانها الغاشم على الإمارات ودول الخليج الأخرى في انتهاك صريح لكل القوانين الدولية ولمبادئ حسن الجوار.
مازلنا نذكر خطاب وزير خارجية الإمارات سمو الشيخ عبد بن زايد آل نهيان أمام الجمعية للأمم المتحده عام 2018 الذي حذر فيه من سياسات وأهداف إيران وتبنّيها ودعمها لجماعات مثل حزب الله وجماعة الحوثي وتدخلها في لبنان وسوريا.
أما إسرائيل فأهدافها معروفة في تحقيق حلم إسرائيل الكبرى وتحول إسرائيل للقوة الإقليمية الوحيدة.
ويبقى أن هذه الأهداف هي مجرد أحلام في مخيلة أصحابها، لأن الإمارات ومعها دول الخليج الأخرى لديها من القوة والقدرة والحكمة ما يكفي لإحباط كل ما يمكن أن تتعرض له من مخاطر.

[email protected]

20 مارس 2026
عناصر قوة دولة الإمارات

د. ناجى صادق شراب

تقليدياً، تصنف الدول من منظور القوة، بالدول العظمى والكبرى والمتوسطة والمؤثرة والدول الصغيرة. وكانت دولة الإمارات تصنف بالدولة الصغيرة وهذا في بدايات نشأتها، ومع تطور الدولة وامتلاكها لعناصر القوة الشاملة لم يعد هذا التصنيف صالحاً لقوة الدولة اليوم وتبوّئها مكانة الدولة المؤثرة والفاعلة من منظور القوة الشاملة، بل قد ترقى إلى مرتبة الدولة الكونية في العديد من المؤشرات العالمية، كمؤشرات الرفاهية والخدمات الإنسانية والتسامح والسلام والسعادة.
هذه المكانة يجسدها اليوم جواز سفر الدولة الذي ينافس جوازات الدول الكبرى من حيث السماح لحامليه بالدخول من دون تأشيرة. هذه المكانة الشمولية لعلاقات دولة الإمارات العالمية تفسر لنا تزاحم الدول لإقامة علاقات معها. هذا الدور تقف وراءه عناصر قوة كثيرة أولها الحكم الرشيد ونظامها الاتحادي الذي حوّل الدولة من إمارات صغيرة إلى دولة اتحادية قوية يحسب حسابها، وبقدر قوة الحكم بقدر تراجع أي محاولات للنيل من قوتها. والفضل في قوة دولة الإمارات للرؤية السديدة للقائد المؤسس الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وللأهمية الجيوسياسية للمنطقة التي تشغلها دولة الإمارات في قلب أهم منطقة استراتيجية واقتصادية في العالم. ويرتبط بالحكم الرشيد رؤية القيادة الرشيدة لدور الدولة وأهدافها والحفاظ على قوتها، وقامت هذه الرؤية على الاتزان الاستراتيجي وعلى بناء وتقوية مؤسسات الدولة وبناء الإنسان المواطن القوي، وعدم الانجرار وراء الصراعات الإقليمية والدولية، والتركيز على تشييد بنية القوة التحتية، وتنمية مستدامة واقتصاد قوي متنوع، وبناء قوة عسكرية متطورة تمتلك عناصر القوة التكنولوجية، وتبنى منظومة قيم إنسانية تقوم على السلام والتسامح والخيرية ومد يد العون لكل الدول والشعوب، والمسارعة في معالجة قضايا الفقر والنكبات الإنسانية التي تواجه بعض الدول في إفريقيا وآسيا.
وأدركت هذه الرؤية الرشيدة منذ البداية ماذا يعني الحضور الدولي في كافة المنظمات الدولية والإقليمية والتمسك بقوة الشرعية الدولية وشرعية السلام القائم على العدل. إن قوة الدولة تكمن أيضاً في المواطن القوي المنتمي لدولته، وفي حبه ومشاركته وتمكينه سياسياً وعلمياً، واليوم نرى نماذج كثيرة لهذه المواطنة في العديد من حقول العلم والمعرفة، وفي تولي المناصب السياسية العليا في الدولة، إضافة إلى التمكين السياسي للمرأة.
وبهذه العناصر تكتمل قاعدة وأساس القوة الشاملة للدول، الحاكم الرشيد والمواطن الرشيد، والخلاصة دولة قوية قادرة وفاعلة في مواجهة كل التحديدات والصعوبات.
كما تمثل القاعدة المجتمعية قوة للدولة، فالدولة القوية تستند إلى دعامات اجتماعية تتمثل في المؤسسات الاجتماعية والمدنية التي تربط الحاكم بالمواطن وتشكل قنوات تواصل اجتماعي قوية، وقاعدة حماية لسد كل ثغرات التسلل الخارجي، وتشكل بالتالي إطاراً واقياً ضد كل التيارات والأفكار المتطرفة والمتشددة، كما تدعم هوية الدولة وشخصيتها الوطنية، وهو ما يفسر لنا قدرة المجتمع الإماراتي على استيعاب أكثر من مئتي جنسية تبحث عن الأمن والعمل بحيث باتت تشكل عامل قوة ومساندة للدولة، وهذا عنصر مهم لقوة الدولة. وهناك القوة الاقتصادية وبناء اقتصاد معاصر متنوع لا يعتمد على النفط فقط، بل تطور ليشمل كل القطاعات الاقتصادية من صناعة وزراعة. والعنصر الآخر لقوة الدولة هو منظومة القيم التي تميز الدولة عن غيرها، وتتسم هذه المنظومة بقيم إنسانية مثل السلام والتسامح ونبذ العنف والإرهاب ومحاربته ونشر قيم التعاون والخيرية والإنسانية، وهنا الأمثلة كثيرة، أبرزها «وثيقة الأخوة الإنسانية» التي وقع عليها بابا الفاتيكان الراحل وشيخ الأزهر على أرض الدولة كي تكون رسالة عالمية في التآخي المشترك الذي يقوم على الإنسانية الواحدة. وهناك عنصر مهم في قوة الدولة يتمثل في القوة الدبلوماسية الإنسانية التي تتبناها الدولة، وأمثلتها كثيرة من خلال الزيارات الخارجية التي يقوم بها رئيس الدولة، وحضور وزير خارجيتها في كل الأنشطة والمنتديات الدولية، وتبني دبلوماسية إدارة الأزمات وحل النزاعات الدولية بالطرق السلمية.
ويبقى من عناصر الدولة الشراكات الاستراتيجية الدولية مع كل دول العالم والتي تعمق دور الدولة وحريتها وعدم تبعيتها في دائرة واحدة، وهذه الشراكات هي التي تفسر لنا اليوم وفي مواجهة العدوان الإيراني المتواصل على دولة الإمارات ودول الخليج الأخرى مدى التأييد الدولي للإمارات وإدانة العدوان الذي تتعرض له.
ويبقى أن هذه القوة يقف وراءها حكم رشيد وقيادة رشيدة بما يحمي سيادة الإمارات وأمنها واستقرارها ومصالحها الحيوية بحيث باتت تقدم نموذجاً تنموياً إنسانياً يفوق النماذج الأخرى في العالم، ولتصبح دولة إلهام وأمل للآخرين.

[email protected]

7 مارس 2026
فلسطين.. وإشكالية الحقوق والسلاح

د. ناجى صادق شراب

يقول المفكر الجزائرى مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة: «إن الحقوق تؤخذ ولا تعطى». فالحق لا يمنح. والحقوق لها جانبان، الأول الخاص بالعلاقة بالمحتل والمستعمر الذي يلغي كل الحقوق السياسية والتاريخية للشعب الخاضع للاحتلال، ولإنكار يتم باستخدام القوة المسلحة بكل درجاتها من قتل وتشريد وتدمير ومصادرة الأرض استناداً لسرديات دينية لا تقوم على أدلة ثابتة، وهذا ما نطق به السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي بتصريحه الخطِر الذي ينفي فيه حق الشعب الفلسطيني بأراضيه، وتكراره لمقولة «إسرائيل من النيل إلى الفرات» التي تتطابق مع مواقف اليمين الإسرائيلي بحلم إسرائيل الكبرى.
حتى إن إسرائيل تعمل على حرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في الانتخابات وتضع العراقيل لعدم الاعتراف بحق السلطة بممارسة حقوقها السيادية والسياسية.
إن هذه الحقوق في كل جوانبها تحتاج إلى النضال والمقاومة بكل أشكالها المشروعة لأن الأساس في كل أنظمة الحكم هي المواطنة والحقوق المتساوية، فكيف لنا في أكثر من خمسة عشر مليون فلسطيني يحرمون من ممارسة هذا الحق، وكيف للمواطن في إسرائيل ذاتها أن يمارس حقوقه الكاملة في الوقت الذي يعيش فيه المواطن الفلسطيني وعلى نفس الأرض محروماً من ممارسة نفس الحقوق، ما يعني ممارسة سياسة التمييز العنصري والتفوق العرقي وعدم الاعتراف بأدمية الإنسان الفلسطيني وتحويله لمجرد تابع يبحث عن الأكل والشرب، علماً أن هذا الشعب يملك كل مقومات المواطنة والحق في ممارسة حقوقه السياسية في ظل دولة مدنية ديمقراطية مستقلة.
والمفارقة التاريخية أن بريطانيا وفي سياق سياسة الانتداب التي مارستها على كل فلسطين منذ 1916 حالت دون أن تمنح الشعب الفلسطيني دولته الواحدة المستقلة وفقاً لتصنيف الانتداب بأن من حق الشعوب المتقدمة أن تمارس حقها في قيام دولتها، ولو فعلت بريطانيا وطبقت هذا الحق ما ظهرت القضية الفلسطينية ولقامت دولة واحدة لكل مواطنيها، لكنها وظفت انتدابها لتنفيذ وعد غير قانوني وهو وعد بلفور الذي نص على قيام وطن قومى لليهود في فلسطين.
والمفارقة التاريخية الثانية أن إسرائيل منذ قيامها عام 1948، وعلى الرغم من قرار الأمم المتحدة رقم 181 الذي نص على تقسيم فلسطين لدولة لليهود ودولة عربية، فلم يتم الاعترف بهذا الحق، وحالت دون قيام هذه الدولة الفلسطينية بدعم ومساندة أوروبية وأمريكية، فكانت الحرب الأولى عام 1948، حيث احتلت إسرائيل ما يقارب 25 في المئة من المساحة المخصصة للدولة العربية ولتكمل احتلالها بحرب 1967، ومنذ ذلك الوقت ترفض إسرائيل قيام الدولة الفلسطينية وتمارس سياسة الاحتلال والاستيطان والتهويد والتشريد.
اليوم نفس السياسة تتكرر في حرب العامين في غزة والضفة، بحرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه المشروعة في قيام دولته. إن للفلسطينيين حقوقاً تاريخية في أرضهم، وهذه الحقوق تدعمها العديد من القرارات الدولية التي صدرت عن الأمم المتحدة ومن أبرزها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإنهاء الاحتلال، وقيام الدولة الفلسطينية وعدم شرعية الاحتلال والاستيطان. إن هذه الحقوق تعطي للشعب الفلسطيني الحق في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة.
وهنا السؤال: هل استخدام السلاح حق مشروع؟ وفقاً للقانون الدولي نعم، لكن وفقاً لمعايير وشروط معينة. والإشكالية ليست في استخدام السلاح الذي وافقت السلطة الفلسطينية على ضبطه والالتزام بالمقاومة السلمية، لكن في الحقوق المسلوبة المحروم منها الشعب الفلسطيني بسبب الاحتلال وإصرار إسرائيل على رفض قيام الدولة الفلسطينية.
وعلى الرغم من حرب العامين على غزة وقيام ما يسمى «مجلس السلام» تبقى الإشكالية قائمة مع هذا السلام المنقوص الذي تدعمه القوة، ف«مجلس السلام» يتكلم فقط عن نزع السلاح ولا يتكلم عن الحقوق والدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال. المشكلة ليست في السلاح، لكن في تجاهل الشعب الفلسطيني وحقه في دولته.

[email protected]

6 فبراير 2026
ما هو دور مجلس السلام؟

د. ناجي صادق شراب

لقد تجاوزت حرب العامين على غزة الحدود الجغرافية الأصغر في العالم لتصل في تداعياتها إلى مصاف الحروب الكونية، ثم أنتجت ما يعرف بـ«مجلس السلام» وهدفه إدارة المنازعات الدولية والعمل على تسويتها، وهو ما يثير السؤال الذي يتم تداوله من قبل كل المحللين وهو هل المجلس بديل للأمم المتحدة؟ وهل يعتبر هيئة جديدة تشارك الأمم المتحدة مهامها ومسؤولياتها الدولية؟
المجلس وإن حمل وصف العالمية إلا أنه في الحقيقة يعكس طموح الرئيس ترامب الذي يترأس هذا المجلس وله صلاحيات وسلطات تنفيذية مطلقة تفوق صلاحيات الأمين العام للأمم المتحدة. إذ يرى الرئيس ترامب أن هذا المجلس أمريكي التكوين والهدف، ويتوافق مع عقيدة «أمريكا أولاً»، والأحادية الأمريكية. في النظام الدولي القائم الذي تجسده الأمم المتحدة، فإن الولايات المتحدة ليست القوة الرئيسية والوحيدة فيه بل شاركها الاتحاد السوفييتي من خلال نظام ثنائي القطبية واستمر حتى نهاية الاتحاد السوفييتي وبداية بلورة النظام الأحادي الذي تسيطر عليه واشنطن من خلال قوتها وتسعى الصين وروسيا الآن إلى منافستها لبناء نظام دولي جديد يقوم على التعددية القطبية. فكان البديل بالنسبة لترامب إنشاء «مجلس السلام العالمي»، وهذا بفضــ ل غزة التي كانت بمثابة المفتاح والمبرر لإنشاء هذا المجلس برئاسة ترامب ومشاركة 60 دولة قابلة للزيادة بمساهمات مالية تفوق المساهمات التي تقدم للأمم المتحدة.
الغاية المعلنة لهذا المجلس هي وقف الحرب على غزة وإعادة إعمارها، وهذا الهدف كان يمكن تحقيقه من دون إعلان هذا المجلس، وهدفه المعلن كما جاء في وثيقته هو إدارة وتسوية المنازعات الدولية، أما الأهداف غير المعلنة فهي تصفية القضية الفلسطينية وإغلاق ملفها وإعادة بناء الشرق الأوسط الجديد، ومن مظاهرها تحقيق حلم إسرائيل الكبرى واحتواء قوة إيران ونزع أسلحتها النووية والصاروخية، على أن يكون الشرق الأوسط هو المنطلق لبناء النظام العالمي الجديد الذي يقوم على المنافسة بين القوى الكبرى مع الاحتفاظ بقوة أمريكا الأحادية.
فالرئيس ترامب يريد نظاماً دولياً يعكس هذه الأحادية بوحدانية القرار الأمريكي على ألا تشاركه أي من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن التي لديها نفس حق الفيتو القادرة على إحباط أي مشروع أمريكي في المجلس، كما تشاركه 193 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي لها نفس قوة الصوت الأمريكي، وهذا ما يفسر لنا انتقاد ترامب للأمم المتحدة وانسحابه من 66 منظمة دولية.
الرئيس ترامب لا يستطيع أن يسقط الأمم المتحدة أو أن ينسحب منها، والبديل لذلك هو إنشاء «مجلس السلام»، والاسم يحمل الدلالات الكونية والعالمية التي تحملها الأمم المتحدة.
كانت غزه الفرصة الوحيدة التي من خلالها يمكن تحقيق ما يحلم به ترامب وأمريكا من رئاسة كيان دولي شرعي بفضل قرار مجلس الأمن رقم 2803 بإنشاء هذا المجلس، ووظيفة هذا القرار منح الشرعية الدولية له وهو ما يريده ترامب فقط من مجلس الأمن.
الدافع الحقيقي ليس غزة التي كان من السهل أن تقوم الأمم المتحدة بدورها لإنهاء الحرب، ولكن الهدف الحقيقي وغير المعلن هو تحقيق هدف إسرائيل الكبرى. والمفارقة هنا أن يدعو نتنياهو إلى عضوية المجلس ليمنح إسرائيل الشرعية ويمنحها المبرر لحربها، رغم أنها الطرف المباشر في حرب الإبادة التي تسببت في مقتل ما يقارب المئة ألف وإعاقة ضعف العدد وتدمير كل مقومات الحياة.
ترامب يريد أن يقدم نفسه من خلال هذا المجلس على أنه صانع السلام ورجل السلام، لكنه يحاول إخفاء الأهداف الحقيقية من السيطرة والهيمنة وتفريغ الأمم المتحدة من كل مكوناتها وتحويلها لمجرد هيكل أو تجمع عالمي بروتوكولي.
من مفارقات المجلس الربط بين العضوية الدائمة ودفع مبلغ مليار دولار، وهو ما يعني موازنة ضخمة يتحكم فيها ترامب كما يريد. وهذا يؤسس لمبدأ جديد للشراكة الدولية يقوم على المال وليس على الإرادة السياسية التي تقوم عليها الأمم المتحدة.

[email protected]

16 يناير 2026
إشكاليات السيادة والسلاح

د. ناجي صادق شرّاب

من يحتكر حق السلاح؟ السلاح هو أعلى درجات القوة الصلبة، والسياسة لا تخرج في تعريفها عن ممارسة واحتكار القوة، والهدف من احتكار السلاح هو الحفاظ على وحدانية الدولة، وقدرتها على ممارسة سيادتها على كل إقليمها. والحيلولة دون الاعتداء عليها، والحفاظ على مواطنيها.
وفى هذا السياق لا يجوز تجزئة السلاح وامتلاكه من قبل جماعات معينة داخل الدولة، فهذا يعني تحوّل الدولة إلى دولة فاشلة ضعيفة قابلة للتفكك وتجزئة سيادتها. وحفاظاً على سيادة الدولة ووحدانيتها وقوتها تخصص الدولة موازانات كبيرة للإنفاق العسكري، وتطوير قدراتها العسكرية وبناء جيش وطني قوي يجسد وحدانية السيادة. فلا يمكن تصور وجود جيشين مثلاً يسيطران على إقليم الدولة، وهنا النماذج كثيرة في السودان وليبيا واليمن، ولعل النموذج اللبناني هو الأكثر وضوحاً الآن، فامتلاك حزب الله السلاح ووجوده في منطقة الجنوب يطرح إشكالية حصرية السلاح كي تتمكن الدولة من بسط سيادتها على كل الأراضي اللبنانية، لكن هذا يفترض انسحاب القوات الإسرائيلية من الانسحاب من الأراضي التي ما زالت تحتلها.
المعيار هنا هو الحفاظ على وحدانية الدولة ووحدانية السلاح وبعدها تصبح وظيفة الدولة حماية حدودها ومواطنيها. وحتى في حالة السلطة الفلسطينية ورغم الاحتلال والحق في مقاومته بالمقاربات الشرعية، لكن طالما هناك سلطة واحدة ولها مؤسساتها الأمنية ولها حق ممارسة السلطة، هنا لا يجوز للفصائل امتلاك السلاح بعيداً عن السلطة طالما أن هناك بدائل ومقاربات بديلة لإنهاء الاحتلال، وعدم منح إسرائيل المبرر لاستخدام القوة كما رأينا في نموذج غزة وحرب العامين والتي كانت نتيجتها تدمير غزة بالكامل وسقوط أكثر من مئة ألف ضحية وضعف العدد يعانون إعاقات بشرية.
هذه الأمثلة لها معنى واحد وهو أن السلاح لا يمكن تجزئته في حالة وجود دولة واحدة وسلطة واحده. فاستخدام السلاح له شرعيته المعترف بها. وخارج هذه الشرعية يصبح سلاحاً غير شرعي. وكما نعلم فى أدبيات السياسة والدولة فإن السيادة هي العنصر والركيزة الأساسية التي تقوم عليها وتكتمل الدولة بها، وهي معيار التمييز بين دولة قوية فاعلة ودولة فاشلة ضعيفة. بل إن مكونات الدولة، وهي الإقليم والشعب لا تكتمل إلا بالسيادة، والتي تعني اعترافاً من قبل الدول الأخرى بالدولة مستقلة كاملة السيادة، وبناء عليها يتم قبولها عضواً في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. وبناء عليه يتم تبادل العلاقات الدبلوماسية بين الدول. فالسيادة تعبّر عن استقلالية الدولة في اتخاذ قراراتها الداخلية والخارجية، ومن سمات القرار السيادي أنه لا يقبل التجزئة، وكما عبّر عنها هوبز بقوله إن السياده كلية مطلقة شاملة لا تقبل التجزئة. إن امتلاك السلاح من قبل جماعات أخرى يعني نقيضاً لهذه الصفات، ويعنى أيضاً تقاسم السيادة والقرار.
إن احتكار الدولة لحقّ اتخاذ القرار المسنود والمدعوم بشرعية السلاح يمثل تجسيداً للمصالح والأهداف العليا والحيوية للدولة، وهي أهداف ومصالح واحدة. ويوجد جانب مهم في إشكالية السيادة والسلاح يتعلق بطبيعة نظام الحكم وقدرة الدولة على أداء وظائفها وبتعميق مفاهيم الحقوق والمواطنة الواحدة، وقدرات الدولة الوظيفية بتطوير قدراتها الاقتصادية والاستجابة للمطالب المتنامية لمواطنيها.
فبقدر رُشد الحكم، وقدرة كفاءة الدولة على أداء وظائفها وإحساس المواطن بانتمائه وولائه وبناء البنية المجتمعية الواحدة تنتفي كل المبررات غير الشرعية لبعض الجماعات التي تملك السلاح لفرض نفسها بديلاً للسلطة القائمة. فالسيادة ليست مجرد توصيف ومظاهر بقدر ما هي سياسات وقرارات فاعلة تنفي أي امتلاك للسلاح للجماعات الساعية لفرض سلطتها.
.. ويبقى أن قوة السلاح بقوة السيادة وقوة السيادة بقوة السلاح الشرعي.

[email protected]