الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

نسخة أفضل

9 مايو 2026 00:35 صباحًا | آخر تحديث: 9 مايو 01:58 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
أصبح الإنسان اليوم يتعامل مع نفسه وكأنه مشروع لا يحق له الاكتمال، يستيقظ كل يوم باحثاً عن نسخة أفضل منه، وينام وهو يشعر أن ما فعله لا يكفي، ومع مرور الوقت يتحول هذا السعي من طموح طبيعي إلى ضغط داخلي مستمر يرافقه في كل تفاصيل يومه.
المشكلة لم تعد في الرغبة بالتطور، فالنمو جزء من طبيعة الإنسان، لكنّ الخلل يبدأ حين تصبح قيمة الإنسان مرتبطة دائماً بما ينقصه، لا بما يملكه، فيعيش إحساساً دائماً بأنه متأخر، مهما أنجز.
في لحظات بسيطة، مثل بداية اليوم، قد يفتح الإنسان هاتفه فيجد نفسه أمام سيل من قصص النجاح والإنجاز، فيقارن واقعه بلقطات منتقاة من حياة الآخرين، ويخرج بانطباع ثقيل أنه لا يفعل ما يكفي، رغم أنه لم ير إلا الصورة، لا الحقيقة كاملة، وهنا تبدأ معركة صامتة، لا يراها أحد، لكنها تستنزف الإنسان من الداخل.
لقد تحول تطوير الذات عند البعض من وسيلة للنمو إلى حالة استنزاف مستمرة، حتى أصبحت الراحة نفسها تشعر البعض بالذنب، وكأن التوقف للحظة يعني التأخر، لا الاستعادة، ويمكن ملاحظة ذلك في تفاصيل يومية بسيطة، في أبٍ يجلس مع أطفاله لكنه منشغل ذهنياً بما ينتظره من مهام.
ومع الوقت، لم يعد هذا الضغط حالة فردية، بل أصبح جزءاً من ثقافة كاملة تدفع الإنسان إلى السعي المستمر، فكلما شعر بالنقص، ازداد اندفاعه، واتسعت مقارناته، وتسارع إيقاع حياته، حتى أصبح يعيش إحساساً دائماً بأنه لم يصل بعد، مهما تقدم.
في هذا السياق، يبدأ الإنسان بالنظر إلى نفسه كنسخة غير مكتملة تحتاج تحديثاً دائماً، فيربط قيمته بالأرقام والإنجازات ونظرة الآخرين، وينسى أن الحياة ليست سباقاً مفتوحاً لإثبات الكفاءة، بل تجربة تحتاج إلى توازن ووعي وهدوء داخلي عميق ومستقر.
المفارقة أن بعض الناس قد يحققون ما كانوا يسعون إليه، لكنهم لا يشعرون بالاكتفاء، لأنهم لم يتوقفوا يوماً ليروا ما وصلوا إليه أصلاً، بل اعتادوا النظر دائماً إلى ما ينقصهم، المشكلة ليست في قلة الإنجاز، بل في غياب لحظة الصدق مع النفس، تلك اللحظة التي يهدأ فيها الإنسان قليلاً، ليرى طريقه بوضوح، لا من زاوية النقص، بل من زاوية ما تحقق، وأن يمنح نفسه اعترافاً صادقاً بما وصل إليه، لا مقارنة مستمرة بما لم يصل إليه بعد، لأن من لا يعرف كيف يرى ما أنجزه لن يعرف متى يكفيه، وسيبقى عالقاً في دائرة سعي لا تنتهي، مهما تقدم، ومهما حقق.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه