حين قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجييفا، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدولي في واشنطن الأسبوع الماضي إن العالم يقف أمام تحولات عميقة يقودها الذكاء الاصطناعي، لم تكن تتحدث فقط عن مستقبل الشركات والصناعات والاقتصادات حول العالم، بل عن مزاج الأسواق المالية أيضاً.
ففي «وول ستريت»، تبدو المعادلة أكثر حدّة «إما الذكاء الاصطناعي... أو التصحيح».
بعد تذبذب ملحوظ في الربع الأول، استعادت أسهم شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة زخمها خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، مدفوعة بقناعة متجددة بأن الذكاء الاصطناعي سيُطلق موجة إنتاجية غير مسبوقة. هذه القناعة لم تعد مجرد سردية، بل تحوّلت إلى رهان سوقي واسع النطاق.
الأسبوع الجاري يحمل اختباراً مهماً لهذه الرهانات، مع بدء موسم النتائج، وافتتاح تيسلا لتقارير «العمالقة السبعة»، تليها «آي بي إم» و«إنتل». التوقعات مرتفعة، وربما مفرطة في التفاؤل. فالأسواق الأمريكية تجاهلت، على نحو لافت، صدمة الحرب الإيرانية وأزمة إمدادات الطاقة، لتسجل مستويات قياسية جديدة. وحقق مؤشر «ناسداك» سلسلة مكاسب هي الأطول منذ 1992، فيما ارتفع «إس آند بي» بنسبة 13% خلال ثلاثة أسابيع فقط. لكن خلف هذا الصعود، يكمن خلل بنيوي لا يمكن تجاهله. فالانتعاش الحالي تقوده مجموعة محدودة من شركات التكنولوجيا الكبرى، فيما تبقى غالبية الأسهم خارج دائرة المكاسب. في الواقع، أقل من 10% من أسهم مؤشر «ستاندرد آند بورز» تُتداول عند أعلى مستوياتها في 52 أسبوعاً، وفقاً لبيانات شركة «تشارلز شواب»، وهو مؤشر واضح على تركّز السوق بشكل غير صحي.
قطاع التكنولوجيا وحده يشكل نحو 35% من القيمة السوقية للمؤشر، فيما انخفضت القيمة السوقية المجمعة لقطاعي التكنولوجيا وخدمات الاتصالات إلى أقل من نقطة مئوية واحدة عن الرقم القياسي المسجل في أكتوبر/تشرين الأول، البالغ 46% من حصة السوق. هذه الأرقام تعيد إلى الواجهة ما يُعرف ب«مخاطر التركّز»، حيث يصبح أداء السوق رهينة لعدد محدود من الشركات.
بمعنى آخر، أي تراجع في شهية المستثمرين تجاه الذكاء الاصطناعي قد لا يكون مجرد تصحيح عابر، بل هزة أوسع تطال السوق بأكمله. لكن التهديد الأكبر قد لا يأتي من السوق نفسه، بل من «الطاقة»، الوقود الحقيقي لهذه الثورة الرقمية.
فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد خوارزميات، بل بنية تحتية ضخمة من مراكز البيانات التي تستهلك كميات هائلة من الكهرباء. ومع ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً بأسرع وتيرة في خمس سنوات، تتزايد المخاوف من أن التوقعات المتفائلة للغاية لأرباح عمالقة التقنية، كثيفة الاستهلاك للطاقة، قد تتلاشى.
تشير تقديرات «مورغان ستانلي» إلى أن استثمارات شركات الحوسبة السحابية العملاقة مايكروسوفت وأمازون وألفابت وميتا وحدها، قد تصل إلى 635 مليار دولار هذا العام. لكن القصة الأكثر إثارة للقلق تكمن في جانب الطلب على الطاقة. فقد رُفعت تقديرات استهلاك مراكز البيانات في الولايات المتحدة من 69 إلى 80 غيغاواط بحلول 2028، مع ارتفاع العجز المحتمل إلى 55 غيغاواط. ومن باب المقارنة، فإن 10 غيغاواط تكفي لتشغيل 10 محطات طاقة نووية متوسطة الحجم.
في ظل هذا الاختلال بين العرض والطلب، تبدو النتيجة شبه الحتمية هي «ارتفاع التكاليف»، وهنا تبدأ الحلقة الأضعف في سردية الذكاء الاصطناعي. فارتفاع تكاليف الطاقة سيلتهم جزءاً من الأرباح الضخمة التي تراهن عليها هذه الشركات، وسيدفعها إلى إعادة النظر في خططها الاستثمارية نفسها.
بعبارة أخرى، إذا لم تنعكس تكاليف الطاقة في نتائج الأرباح، فقد يتحول ذلك إلى محفز لتصحيح واسع في الأسواق.
ومع ذلك، لا يزال هناك من يراهن على أن هذه المخاطر مؤقتة. فزخم الذكاء الاصطناعي، المدفوع بالتنافس الجيوسياسي والتسابق التكنولوجي، قد يكون أقوى من أي عوائق قصيرة الأجل، ومن المرجح أن يؤدي تصدع النظام العالمي إلى تصعيد سباق التسلح في مجال التقنيات الرقمية الحديثة.
حتى على مستوى التداولات، تشير بعض المؤشرات إلى أن المستثمرين يحتفظون بمراكز بيع كبيرة في صندوق المؤشرات المتداولة «QQQ» التكنولوجي القياسي، ما يفتح المجال لموجة صعود إضافية إذا ما تم إغلاق هذه المراكز.
في النهاية، قد تبدو عبارة «إما الذكاء الاصطناعي أو التصحيح» تعبيراً دقيقاً عن المرحلة المقبلة. فالشركات والدول التي تتخلف عن هذا الركب قد تجد نفسها خارج المنافسة. لكن الأسواق، بطبيعتها، تميل إلى المبالغة، صعوداً وهبوطاً.
أما إذا استمرت أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، فإن هذه الثورة الرقمية، رغم حتميتها، قد لا تسير بالسرعة التي يتوقعها المستثمرون.
* كاتب صحفي متخصص في الاقتصاد وأسواق المال (رويترز)
