الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الاقتصاد العقاري وبناء القيادات الوطنية

10 مايو 2026 21:06 مساء | آخر تحديث: 10 مايو 21:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
هناك فرق جوهري بين مواطن يعمل داخل شركة ومواطن يقود شركة، يضع استراتيجيتها، ويتحمل مسؤولية نموها واستدامتها، كلاهما يسهم في دفع عجلة التقدم، لكن النوع الثاني هو ما يحتاجه السوق اليوم أو بالأحرى ما يحتاجه الاقتصاد الوطني بشكل عام خلال المراحل الراهنة، وما تقتضيه الضرورة مستقبلاً.
في ظل ضبابية التطورات الجيوسياسية والاقتصادية، الإقليمية والعالمية التي نمر بها حالياً، لن تُبنى الدول إلا بسواعد أبنائها وهذا ما يتطلب العمل أكثر على تأهيل متواصل ومكثف لقادة محليين، هم أولى بحمل الراية لاحقاً.
القطاع العقاري أحد القطاعات المهمة المساهمة في الناتج المحلي لدبي بما لا يقل عن 8% سنوياً، هذه النسبة مرشحة للارتفاع التدريجي وفق الخطط العريضة التي تم تخصيصها للقطاع، وعلى رأسها استراتيجية القطاع العقاري 2033 التي تهدف إلى مضاعفة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 73 مليار درهم، ومضاعفة القيمة الإجمالية للمحافظ العقارية إلى 20 مليار درهم، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل يمكن بناء اقتصاد عقاري مستدام دون بناء قيادات وطنية قادرة على قيادة شركاته..؟
طبعاً لا، لا يمكن ذلك، لأنه في مفهوم الاقتصادات الحديثة، تقاس قوتها بمعيار مقدرتها على إنتاج قيادات محلية تمتلك المعرفة، تدير المخاطر، وتصنع الاستدامة، وليس فقط بضخامة المشاريع وحجم قيمة الاستثمارات فيها، ولهذا أصبح من الواجب أن يحظى القطاع العقاري بقادة مواطنين مدربين على اتخاذ قرارات صحيحة مبنية على بيانات دقيقة، وفهم عميق للدورات العقارية، تمكنهم من الموازنة بين النمو والمخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على استقرار السوق، فعندما يقود السوق محترفون مؤهلون، تتحسن تجربة المستثمر، ترتفع جودة المنتج أو الخدمة العقارية، تتراجع الممارسات العشوائية وغير المنظمة، وتتقلص الأخطاء.
من هذا المنطلق نثمن برنامج (حاضنة الشركات العقارية الإماراتية) الذي أطلقته دائرة الأراضي والأملاك في دبي بالتعاون مع أكاديمية الاقتصاد الجديد وواحة دبي للسيليكون، ضمن الحملة الوطنية «الإمارات عاصمة رواد الأعمال في العالم»
كإجابة عملية على السؤال المطروح سابقاً، إطلاق (حاضنة الشركات العقارية الإماراتية) ليس مجرد برنامج تدريبي، بل مبادرة اقتصادية تهدف إلى إعادة تموضع المواطن داخل القطاع العقاري وتنتقل به من دور تنفيذي محدود كموظف أو مجرد وسيط، إلى دور قيادي مؤسسي قادر على تأسيس وإدارة شركة عقارية مستقبلية، تنافس محلياً ثم إقليمياً ودولياً مع مرور الوقت.
هي بمثابة أداة تحول اقتصادي وهيكلي، من شأنه إعادة تشكيل هوية القطاع العقاري، وتحسين كفاءته، وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني، وهذا بناء على مستهدفاتها التي تتمحور حول تمكين المشاركين من فتح وإدارة شركاتهم الخاصة في الوساطة العقارية.
دبي اليوم تنتقل إلى مرحلة جديدة من النمو العقاري، من منطلق الاعتقاد الجازم أن تقدم وتطور القطاع لا يعتمد فقط على المشاريع الضخمة أو تدفقات رأس المال أو مرونة التشريعات وتخصّصها فقط، بل الأمر يتعدى إلى خلق منظومة متكاملة، محركها الرئيسي هو العنصر البشري المحلي القادر على القيادة، الابتكار، واتخاذ القرار، وهذا ما يعكس تحوّلاً عميقاً في فلسفة إدارة القطاع العقاري في دولة الإمارات بشكل عام، وتحديداً في دبي خلال السنوات المقبلة، وفق البرامج التدريبية المكثفة التي أصبحت تُعنى بالكفاءات الوطنية وسبل دماجها بهذا القطاع.
فالمعادلة اليوم تغيرت من الاعتماد على الخبرة الأجنبية ونماذج تشغيل تقليدية، إلى المعرفة، الحوكمة، القيادة المحلية، وهذا ما ترجتمه الحاضنة، من خلال إعداد مواطنين يمتلكون فهماً تشريعياً عميقاً، مهارات تأسيس وإدارة شركات، قدرة على قراءة السوق واتخاذ قرارات استراتيجية، إلى جانب تشجيعهم على امتلاك عقلية استثمارية طويلة الأمد، تماشياً مع الاستراتيجيات والرؤى الاستباقية المختلفة بجميع القطاعات الاقتصادية، بما فيها القطاع العقاري والتي تهدف جميعها إلى الاستدامة والنمو المستمر.
حاضنة الشركات العقارية الإماراتية، بمثابة أداة لإعادة هيكلة القطاع من الداخل، ووسيلة لتعزيز الهوية الإماراتية في قيادة السوق العقاري، ليس من باب التوطين العددي، بل من باب التوطين القيادي، بما ينسجم مع التوجهات التنظيمية التي تقودها دائرة الأراضي والأملاك في دبي نحو بناء سوق أكثر نضجاً وشفافية، وفق أسس تنظيمية أكثر كفاءة في عملية ترسيخ الثقة في السوق، تعزيز الفهم العميق للبيئة المحلية، المساعدة في اتخاذ قرارات أكثر اتزاناً وأقل مخاطرة وبناء شركات عقارية تعكس قيم الاستدامة والمسؤولية.
وخلال سنوات قليلة فقط من المتوقع أن نرى شركات عقارية إماراتية ذات نماذج عمل متقدمة، زيادة الاستثمار المؤسسي المحلي، ومساهمة أكبر للقطاع العقاري في الاقتصاد الوطني بشكل مستدام.
* المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «الرواد للعقارات»

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة