على مدار مواسم عدة لم يكن «آرت دبي» مجرد معرض فني تقليدي، بل احتفالية كبرى تجمع الموهوبين والفنانين من كل أنحاء العالم تحت سماء دبي في تظاهرة تعكس ثراء المشهد الفني والثقافي في الإمارات. وتركز نسخته العشرين التي تُقام خلال الفترة بين 15 و17 مايو الجاري، على نقاط قوته الأساسية، والمتمثلة في استقلاليته، وجذوره الإقليمية العميقة، وانفتاحه على العالم، كما تسلط الضوء على إبداعات صالات العرض والفنانين والمؤسسات التي أسهمت في بناء المشهد الثقافي في المنطقة.
خلال التحضيرات النهائية وقبل انطلاق فعاليات المعرض 2026، التقينا بينيديتا غيون، المديرة التنفيذية لـ «آرت دبي» لتكشف أهم ملامح هذه الدورة.
تستهل بينيديتا غيون حديثها معنا عن مدى خصوصية هذه النسخة من «آرت دبي» قائلة: تعكس هذه الدورة نهجاً أوسع في العمل، سواء من حيث دعم صالات العرض أو توسيع نطاق الشراكات المؤسسية. وفي جوهرها، تمثل هذه النسخة تجسيداً لمرونة وثراء المشهد الثقافي في الإمارات، وروح التعاون التي شكّلت هوية المعرض عبر سنوات عدة، إذ يجمع «آرت دبي» هذا العام نحو 75 مشاركة من صالات عرض ومؤسسات، ويشكّل المشاركون من المنطقة ما يقارب 60% منها. ويعود «زاوية غاليري» بتقديم فردي للفنان الفلسطيني نبيل عناني، الذي تستند أعماله إلى مواد طبيعية لاستكشاف مفاهيم الأرض والانتماء. كما يقدم «غاليري ون» معرضاً جماعياً لفنانين فلسطينيين، يستعرض مساراً فنياً تشكّل عبر التقاليد الأكاديمية في القاهرة، مع إبراز تنوع الأساليب البصرية. وتشارك «بلو روز» من بيروت للمرة الأولى عبر عمل «بيان عاشق» لـ «الفريد طرزي»، وهو تركيب فني يستلهم أرشيف الطباعة في بيروت على مدى عقود.
المعرض يجتذب مدارس فنية متنوعة
* حدثينا عن أبرز ملامح الاحتفال بالذكرى العشرين ل «آرت دبي».
يجمع برنامج «صالات العرض» أكثر من 45 مشاركة تمتد عبر ممارسات فنية معاصرة وحديثة ورقمية، مع توازن مقصود بين صالات عرض رافقت المعرض منذ بداياته، وأخرى تشارك للمرة الأولى من المنطقة والعالم. ويمتد عبر موقع مدينة جميرا برنامج متكامل من التركيبات الفنية الضخمة والأعمال الجديدة والتكليفات الفنية المصممة خصيصاً للموقع، ومن أبرزها جناح المنامة لأحمد وراشد بن شبيب، الذي قُدّم لأول مرة في بينالي البندقية للعمارة 2025، ويُعاد تقديمه هنا كإعادة قراءة لبنية الجلوس الجماعي التقليدية، مع طرح معاصر لقضايا الاستدامة وكفاءة الطاقة. كما تشمل الأعمال التكليفية «المسار» لخالد البنا بالتعاون مع بيت الفنون، و«مات» لهاشل اللمكي بالتعاون مع مساحة طباري الفنية والذي طُوّر من خلال التعاون مع حرفيين من مايوركا وكيرالا والقاهرة، و«طريق الحرير» لنِدى رضوي بور بالتعاون مع آب أنبار غاليري، و«البرج وذكريات الحجارة» لكيفورك مراد، و«أغنية، حكاية» لسودارشان شيتي بالتعاون مع ليلى هيلر غاليري، و«قلب المكان» لياو أووسو بالتعاون مع إيفي غاليري. وتشهد هذه الدورة أيضاً النسخة العشرين من منتدى الفن العالمي، البرنامج الحواري الرئيسي للمعرض، بإشراف شومون بصّار، تحت عنوان «قبل وبعد كل شيء»، حيث يجمع نخبة من القيادات الثقافية في الخليج لمناقشة التحوّل والذاكرة وآفاق المستقبل.
* ما أهم المشاركات الجديدة بالمعرض هذا العام؟
نقدّم هذا العام نموذجاً مبتكراً لتقاسم المخاطر، بحيث يتم احتساب رسوم مشاركة صالات العرض بناءً على مستوى النجاح. ويعكس هذا التوجه التزامنا المستمر بدعم صالات العرض التي أسهمت في بناء المشهد الثقافي، واستعدادنا للتكيّف مع التحديات التي تواجهها. كما نعمل على توسيع شراكاتنا المؤسسية، بما يعكس قوة وتطور المشهد الثقافي والإبداعي في الإمارات. على سبيل المثال، تقدم مقتنيات دبي معرض «ونمضي» الذي يستند إلى أعمال من أكثر من 20 مجموعة خاصة لاستكشاف كيفية تشكّل المجتمعات واستمراريتها. كما تقدم مؤسسة بارجيل للفنون معرضاً للفن العربي الحديث، فيما تقود مؤسسة الشارقة للفنون برنامجاً يومياً للأداء الفني. ويُعرض أيضاً برنامج للأعمال السينمائية بالتعاون مع «السركال أفنيو». ورغم أن «آرت دبي» عمل دائماً ضمن حوار مع القطاع الثقافي الأوسع، إلا أن هذه العلاقة تبدو اليوم أكثر تكاملاً وتأثيراً في صياغة البرنامج بشكل واضح وتعاوني.
* حدثينا عن دور النسخة العشرين في تجسيد مدى تطور المشهد الثقافي في دبي.
إن القدرة على تقديم دورة بهذا المستوى من الطموح، في ظل الظروف الحالية، تعكس مدى تطور المشهد الثقافي في دبي، فعند انطلاق «آرت دبي» عام 2007، كان عدد صالات العرض التجارية في المدينة لا يتجاوز 10، بينما يتجاوز عددها اليوم 40، إلى جانب شبكة من المؤسسات والمجموعات الفنية والمناطق الإبداعية ودور المزادات التي لم تكن موجودة سابقاً. وتشارك صالات عرض راسخة مثل مساحة طباري الفنية، و«ذا ثيرد لاين» إلى جانب جيل جديد من العارضين المحليين والإقليميين الذين تطوروا مع المعرض. كما يعكس البرنامج المؤسسي حجم ونضج البنية التحتية الثقافية في المدينة. ومن اللافت أيضاً تطور قاعدة المقتنين، إذ انتقلت من دائرة محدودة إلى ثلاث فئات مترابطة: مقتنون مؤسساتيون وخاصون على المدى الطويل، وجيل جديد نشأ عبر مبادرات مثل «آرت صالون»، و«مقتنيات دبي»، إضافة إلى مقتنين دوليين وأصحاب ثروات جذبهم الزخم الثقافي والاقتصادي للمدينة.
* ما الدور الذي يلعبه «آرت دبي» في إثراء الفن في الإمارات؟
«آرت دبي» منصة ثقافية تُنظم بالتعاون مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الثقافية، لدعم التطور طويل الأمد للمنظومة الإبداعية في المنطقة، وهو منظور أساسي في دورنا. وعلى مدى عقدين، بنى المعرض حضوره عبر ركائز رئيسية تشمل التعليم، والريادة الفكرية، واكتشاف الأصوات الجديدة، من خلال مبادرات مثل منتدى الفن العالمي الذي جمع أكثر من 650 شخصية من مختلف التخصصات، موفراً مساحة للنقاش حول القضايا المعاصرة. كما أسهم «مقتنيات دبي»، الذي أُطلق بالشراكة مع هيئة الثقافة والفنون في دبي، في تأسيس أول مجموعة مؤسسية للفن الحديث والمعاصر في المدينة، وإتاحة المجموعات الخاصة للجمهور. ويمتد هذا الحراك الفكري عبر «حوارات مقتنيات دبي» و«حوارات هُنا»، التي تجمع الفنانين والقيّمين والمقتنين في نقاشات مفتوحة، إضافة إلى «مشاريع آرت دبي» المنصة الثقافية المستمرة على مدار العام، والتي تعمل عبر برامج التكليف الفني والفن العام وتطوير المؤسسات والمشاريع متعددة التخصصات.