ماذا يحدث لو اختار العاديون من البشر في كل قارة من قارات العالم شخصاً منهم يمثلهم ويتحدث عن أحوالهم ومشكلاتهم؟ ما الذي يمكن أن يقولوه بالرغم من اختلاف لغاتهم وثقافاتهم؟
في إفريقيا رجل من قرية صغيرة يتحدث عن الأرض الجافة والزرع الذي يموت، والحروب الداخلية التي كلما هدأت تشتعل، والفساد الذي يحرمهم من التمتع بموارد بلادهم. في أمريكا اللاتينية امرأة من مدينة مزدحمة تصف خوفها من العصابات التي تسيطر على الشوارع والمخدرات التي تطارد أطفالها، ومن الفساد الذي يجعل القانون بلا معنى.
في أوروبا شاب في العشرينيات من الطبقة الوسطى الدنيا يبوح بقلقه من فقدان الثقة، ومن الأخبار الكاذبة التي تفرق بين الناس، ومن البطالة التي تجعل المستقبل ضيقاً، ومن الحروب البعيدة التي تؤثر على معيشته اليومية، في آسيا موظف في مدينة كبيرة يقول إنه يعمل بكل جدية لكنه يخاف من الغد، من تقلبات الاقتصاد وتلوث الهواء والأمراض التي تنتشر، ومن الفساد الذي يتسلل من الزوايا المعتمة.
وفي أمريكا الشمالية سائق تاكسي يعلو صوته ليصف الاستقطاب الذي يمزق المجتمع، والتضليل الذي يفرض سطوته، والسياسة التي تحولت إلى صراع لا ينتهى، وفي الشرق الأوسط أكثر مناطق العالم اضطراباً، عجوز من مدينة محاصرة تروى كيف تعيش بين الحرب والجوع، بين القصف الذي يهدم البيوت وانتظار السلام التائه عن معرفة الطريق إلى المنطقة. هذه الأصوات، بالرغم من تباعدها الجغرافي، تتقاطع في جوهرها، كأن العالم يعيش مسرحية واحدة، قد تختلف المشاهد لكن القلق يجمعها، قد تتنوع التفاصيل لكن المعاناة تتشابه، أي أن المشكلات الكبرى في العالم ليست مجرد أرقام في تقارير أو عناوين في نشرات الأخبار، بل هي تجارب يومية في حياة الناس، الحرب ليست حدثاً سياسياً بل بيت ينهار، الأزمة الاقتصادية ليست مصطلحاً مجرداً، بل احتياجات إنسانية ملحة لا تسدها الموارد، التضليل الإعلامي ليس فكرةً نظرية، بل خبر كاذب يزرع الشقاق.
نعم مشكلات العالم الواسع بالرغم من تنوعها ليست منفصلة، فالتقدم العلمي جعله بيتاً واحداً، والإنسان واحد مهما اختلفت لغاته وثقافاته، ويستحيل أن يكون الحل محلياً فقط، ويجب أن يكون عالمياً، فإننا جميعاً ننتظر لحظة الحقيقة، لحظة السلام، والحل مهما بدا بعيداً يبدأ بالإصغاء، بالاعتراف بوحدة المعاناة، ومن السعي إلى وحدة الحل، فهل يمكن أن يصغي سياسيو العالم إلى أصوات العاديين من البشر؟
