نعم، إياكم أن تفقدوا ولعكم بالدهشة، فالدهشة هي الشرارة التي تضيء دروب الفلسفة، وتفتح أمام الإنسان أبواب التساؤل، تساؤل يبدد المسلّمات التي تآلف معها، ويحلق به في فضاء مختلف يحرضه على تأمل كل ما اعتقده ثابتاً ومستقراً. الدهشة ليست مجرد شعور عابر، بل هي نقطة انطلاق نحو تفكيك الواقع، وإعادة تركيبه بطريقة تمنحه قدرة أكبر على فهمه، بالتحليل والتفكير النقدي.
وثمة فارق هائل بين المفاجأة والدهشة، المفاجأة رد فعل لحظي على حدث غير متوقع، لكن الدهشة حالة أرقى وأكثر استمرارية، هي مزيج سحري بين الفضول والانبهار، المفاجأة تنتهي بزوال الحدث، لكن الدهشة حالة عقلية نشيطة، ولهذا وصفها أفلاطون وأرسطو بأنها المحرك الأساسي للفكر وأول مصدر للتفلسف، إذ تعيد صياغة الأسئلة الكبرى التي تحكم حياة البشر: لماذا؟ وكيف؟ أما الفلاسفة المسلمون مثل ابن الهيثم، فقد حولوا دهشتهم إلى علوم دقيقة، فدهشة ابن الهيثم عن ظاهرة الضوء وعمل العين كانت بوابته إلى علم جديد، هو علم البصريات، الذي غير فهم الإنسان للطبيعة.
الدهشة هي كلمة السر التي تفك شيفرة احتمالات لم تكن مطروحة من قبل، فالشك المصاحب لها يدفع المرء إلى البحث والاكتشاف، ليدرك أن الحقيقة ليست ثابتة أو نهائية، وأنها تجربة متغيرة، تتطلب مراجعة من آن لآخر، وتسمح له بتجاوز السطحيات والولوج إلى جوهر الأشياء.
وليس الفلاسفة وحدهم من يستفيدون من الدهشة، بل تمتد تأثيراتها إلى الحياة اليومية والإبداع الفني والأدبي، الكاتب الذي يندهش من تفاصيل صغيرة في حياته اليومية، يحولها إلى مشاهد أدبية تنبض بالحياة، والفنان الذي يلتقط لحظة دهشة من لون أو حركة، يحولها إلى لوحة فنية تحمل معانٍ عميقة.
وفي عالمنا الحديث الذي يغلب عليه التكرار والسرعة، تصبح الدهشة فعلاً من أفعال المقاومة، فنحن نعيش في «عصر المعلومات»، حيث نظن أننا نعرف كل شيء بضغطة زر، وهذا الظن يقتل الدهشة، وعلينا أن نستعيد القدرة على الانبهار بتفاصيل صغيرة تعيد للحياة بريقها وتحمينا من «الاعتلال العاطفي» أو الشعور بالملل الوجودي.
تشير الدراسات الحديثة إلى أن تجربة الدهشة تقلل من مستويات التوتر، وتجعل الإنسان أكثر سخاءً وانفتاحاً على الآخرين، لأننا عندما نشعر بالدهشة تتغير أشياء داخلنا، أهمها أن يتلاشى تركيزنا المفرط على «الأنا» ومشاكلنا الصغيرة، ويزداد إحساسنا، بأننا جزء من كلٍّ أكبر وأعظم، مما يمنحنا توازناً نفسياً فريداً.
