الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

شَعر ينمو في القبر

10 مايو 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 10 مايو 00:09 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
يذكر ماركيز (الصحفي هنا) أنه تلقّى ذات يوم تكليفاً من جريدته لإجراء تحقيق ميداني يتعلق بحادثة موت إحدى الفتيات في ظروف غامضة، وبالفعل، توجّه صاحب «مئة عام من العزلة» إلى المقبرة، وفي حقيبته الكثير من المعلومات عن حادثة الفتاة، التي تبيّن أن شعرها لم يتوقف عن النمو حتى وهي في القبر، وسوف يكون تحقيقه الصحفي هذا نواة إحدى رواياته التي توصف عادة بالواقعية السحرية.
هل فعلاً يستمر شعر الميت بالنمو ويظل حيّاً تحت التراب، فيما يذوب ويتحلّل كل شيء في الكائن البشري الذي كان شعره ميزة جمالية له في حياته رجلاً كان أم امرأة، هذا الشعر الغجري المجنون كما وصفه نزار قباني، وكما وصفه المئات من شعراء الحب والجمال؟
هكذا، إذن، شعر الإنسان لا يموت، شعر العبد، وشعر السيد، شعر الملك وشعر الخادم، وبالفعل، وبحسب أسطورة آريوس «في العام ١١٩٠ بأمر من هنري الذي كان قد مات، وبعد عمق سبعة أقدام اكتشفوا شريحة حجرية وعليها صليب محفور فيه: هنا يرقد مدفوناً في جزيرة أفالون الملك الشهير آرثر، وتحت الشريحة وجدوا نعشاً خشبياً من جذوع السنديان، وفيه هيكل عظمي لرجل طويل بشعر أشقر وجمجمة مهشّمة..»، راجع (موسوعة الأساطير العالمية، حنّا عبّود، صفحة: ١٠٩).
معلومة ثانية وجدتها في مذكرات السينمائي الإسباني لويس بونويل حول شعر الإنسان الذي يظل ينمو حيّاً بعد موته، يقول بونويل وهو يروي ما رآه ذات ليلة في مقبرة قديمة مهجورة: «شاهدنا ضريحاً مفتوحاً بعض الشيء عند أسفل بعض الدرجات، ومن خلال خط باهت من النور، استطعت أن أتبيّن غطاء تابوت قد ارتفع قليلاً وأطَلَّ من الفتحة شعر نسائي وسخ وجاف».
يقول بونويل إنه وظّف هذا المشهد في ما بعد في أحد أفلامه وهو «شبح الحرية»، ويتساءل في مذكراته (ترجمة: مروان حدّاد) «هل يستمر الشعر بالنمو في القبر؟ تلك من أكثر الصور رعباً التي رأيتها في حياتي».
ما رآه المخرج السينمائي ليست صورة مرعبة إلى هذا الحدّ، بل قد تكون صورة شعرية أو روائية، بل أصبحت صورة سينمائية في أحد أفلامه، أما ماركيز فقد استعار صورة الشعر الحيّ في القبر، وإن لم يكتبها مباشرة في رواية، ويكفيه أنه أحد عرّابي الواقعية السحرية التي قد تتمثل في شعر الإنسان وهو يتمدد تحت التراب إلى ضوء الحياة.
لا يكف الإنسان الحيّ عن مراقبة أخيه الإنسان الميّت، وإزعاجه، بل ويدفعه فضوله وربما جنونه إلى تحويل الموت الهادئ النبيل إلى حكاية..
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه