تكشف قراءة المشهد الإقليمي الراهن أن النظام الإيراني ما زال يصرّ على السير في طريق الأزمات، متجاهلاً كل الدعوات العاقلة إلى التهدئة واحترام قواعد حُسن الجوار. فالسلوك القائم على التهديد واستهداف أمن دول الخليج العربي بالصواريخ والطائرات المسيّرة لا يمكن وصفه إلا بأنه عدوان مرفوض، يهدد أمن المنطقة واستقرارها، ويفتح الباب أمام مخاطر لا تقف عند حدود دولة بعينها، بل تمتد آثارها إلى الملاحة والاقتصاد والطاقة والأمن الدولي.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في حادثة عابرة أو توتر محدود، بل في نهج سياسي وأمني متكرر يقوم على استخدام القوة والضغط والتهديد بدلاً من الحوار المسؤول. فحين تتحول الجغرافيا إلى ساحة ابتزاز، وحين تصبح الممرات البحرية وأمن المدنيين وأمن الدول أدوات في حسابات سياسية ضيقة، فإن ذلك يعني أن المنطقة أمام سلوك خطير لا يجوز التقليل من شأنه أو التعامل معه باعتباره مجرد خلاف سياسي قابل للتطبيع اللفظي.
لقد أثبتت دولة الإمارات العربية المتحدة، ومعها دول الخليج العربية، أن خيارها الثابت هو الاستقرار، وأن قوتها لا تعني الاندفاع إلى التصعيد، بل القدرة على حماية السيادة، وضبط النفس، والتمسك بالقانون الدولي. وهذا الموقف لا يعكس ضعفاً أو تردداً، بل يعكس ثقة دولة تعرف جيداً كيف تحمي أمنها، وفي الوقت نفسه لا تسمح بأن تُجرّ المنطقة إلى فوضى أوسع يدفع ثمنها المدنيون والشعوب والاقتصادات.
إن العدوان الإيراني، بمختلف صوره، يضع النظام الإيراني أمام مسؤوليته السياسية والقانونية والأخلاقية. فالدول لا تُبنى بالتهديد، ولا تُدار العلاقات الإقليمية عبر الصواريخ والمسيّرات، ولا يمكن لأي نظام أن يفرض نفوذه على محيطه من خلال الخوف. إن احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وتسوية النزاعات بالطرق السلمية ليست شعارات دبلوماسية، بل قواعد أساسية لاستقرار النظام الدولي.
ومن هنا تأتي أهمية الموقف الإماراتي القائم على الجمع بين الصلابة والحكمة. فالإمارات العربية المتحدة لم تكن يوماً دولة تصعيد أو مغامرات، بل دولة بناء وتنمية وسلام، تؤمن بأن الردع الحقيقي لا يكون فقط بالجاهزية العسكرية، بل أيضاً بقوة المؤسسات، ووضوح الموقف، وحضور القانون، وتوثيق الانتهاكات، وإعداد الملفات التي تضمن عدم إفلات المعتدي من المساءلة. فحين تقع الاعتداءات، لا تكون المعركة عسكرية فقط، بل تبدأ أيضاً معركة الحقيقة والوثيقة والدليل.
إن توثيق الجرائم والانتهاكات ليس عملاً إجرائياً فحسب، بل هو واجب سيادي ورسالة سياسية واضحة، أن أمن دول الخليج العربي ليس مباحاً، وأن المدنيين ليسوا ورقة ضغط، وأن القانون الدولي لا يجوز أن يبقى صامتاً أمام سلوك يهدد الاستقرار الإقليمي. فالعدالة لا تقوم على الانفعال، بل على الأدلة، ولا تُبنى على الخطابات، بل على الملفات القانونية المتماسكة.
ويخطئ النظام الإيراني إذا اعتقد أن الاعتداءات أو التهديدات قادرة على كسر إرادة دول الخليج العربية أو فرض واقع جديد عليها. فقد أثبتت التجارب أن الأزمات تزيد دول الخليج تماسكاً، وأن أمنها المشترك ليس عبارة بروتوكولية، بل حقيقة استراتيجية. فالاعتداء على أمن دولة خليجية هو تهديد لأمن المنظومة كلها، وأي محاولة لزعزعة استقرار المنطقة ستواجه بموقف واضح، رصين، وحازم.
إن ما يميز الموقف الإماراتي أنه يستند إلى إرث راسخ من الحكمة السياسية، أساسه احترام الجوار، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، والانحياز إلى الحلول السلمية، من دون التفريط في السيادة أو التهاون مع العدوان. وهذه المعادلة هي التي تمنح السياسة الإماراتية قوتها: قوة لا تبحث عن الحرب، لكنها لا تسمح بالاعتداء، وحكمة لا تبرر أخطاء المعتدي، لكنها تمنع الانزلاق إلى ردود غير محسوبة.
ولا ينبغي أن يُفهم ضبط النفس الخليجي على أنه قبول بالأمر الواقع. فالصبر السياسي له حدود، واحترام القانون الدولي لا يعني ترك المعتدي بلا حساب. بل إن الدول الرشيدة هي التي تختار أدواتها بعناية، وتدير الأزمات بعقل بارد، وتحافظ على حقها في الدفاع عن أمنها وسيادتها وفق القواعد المشروعة.
إن المنطقة اليوم أمام اختبار جديد: إما أن تنتصر لغة الدولة والقانون والسيادة، وإما أن يُترك المجال لمنطق الميليشيا والتهديد والابتزاز. ولا شك أن دول الخليج العربية اختارت الطريق الصحيح، طريق حماية الأمن، وصون المدنيين، والدفاع عن الاستقرار، وبناء الشراكات مع الدول التي تحترم السيادة وتدرك أن أمن الخليج جزء من أمن العالم.
إن دول الخليج العربية لا تطلب أكثر من حقها الطبيعي في الأمن والاستقرار والسيادة. لكنها في المقابل لن تقبل أن يكون أمنها ساحة اختبار لأحلام النفوذ أو أوهام السيطرة. فزمن فرض الإرادة بالقوة قد انتهى، ومن يريد علاقة طبيعية مع محيطه فعليه أن يبدأ من القاعدة الأولى: احترام سيادة الدول، ووقف العدوان، والعودة إلى منطق الدولة لا منطق التصعيد.
