كتب الشاعر العربي المخضرم الأحيمر السعدي، الذي عاش في المرحلتين الأموية والعباسية، يقول: «عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى... وصوّتَ إنسانٍ فكدتُ أطيرُ». وقد سبق هذا الشاعرُ الفيلسوفَ الإنجليزي هوبز، الذي قال إن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان. إذن، فالعيش بين البشر أمر مستحيل من دون لجم الذئبية فيهم، والتي ترتدي أشكالاً متعددة من الشر.
ولهذا، ولكي يكون التعايش ممكناً بين الناس، فقد صاغ البشر جملة من القيم المشتركة، وصارت مع الأيام جملة من المعايير يتوجب الالتزام بها.
فقيم المحبة، والإيثار، والتعاطف، والسلم والأمان، والتعاون والصدق والوفاء والاعتراف بالحق، وما شابه ذلك من قيم، فضلاً عن ذم الكذب والخداع والقتل وكل أنواع الإيذاء، كل هذا من أجل الحد من الذئبية. ولقد اشترك في صياغة هذه القيم، بأحكام واضحة، حكماء ما قبل الميلاد، والفلاسفة، والأنبياء، وصيغ بعضها في جملة قوانين ملزمة للسلوك.
غير أن البشرية لم تبرأ من الذئبية ومظاهرها، فما زالت الحروب، منذ نشأة المجتمعات حتى الآن، مستمرة، سواء كانت حروباً أهلية أو حروباً بين الدول، والصراعات على الثروة لم تنتهِ، وأضيف إليها الصراعات الناتجة عن المعتقدات والأيديولوجيات النافية لبعضها بعضاً.
إن التأمل في حال عالمنا المعاصر، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، يخلق من الدهشة ما لم يخطر على بال، فبعض مجتمعاتنا غارقة في محنة الاقتتال الذي يرتدي ثوب الاقتتال المذهبي، ومن النادر أن تجد مكاناً في العالم لم يشهد حالات عنف أيديولوجي أو قومي أو ديني. والنزوع نحو الهيمنة، يؤجج نزعة الاعتداء على الآخر.
والاستسلام لهذا الشر، كما قلنا، لا يليق بالعقل الإنساني. ولهذا فإن العقل لا يني يخوض معركة البحث عن المشترك الإنساني، وعن القيم المشتركة، والدفاع عنها، والسعي إلى أن تتحول إلى نمط حياة للبشرية. وإذا كانت الأهداف الكبرى ذات الطابع الإنسانوي بطيئة التحقق وصعبة، فإن هذا يجب ألا ينتج تشاؤماً لدى النخبة والفاعلين الاجتماعيين، بل على العكس، يجب أن نوطن الإرادة الخيرة على عدم اليأس والقنوط.
من هنا تبرز أهمية تأسيس خطاب متجاوز للخطابات المؤسسة للوعي الزائف بالحياة، خطاب يصوغ المشترك الإنساني على نحو يكون فيه قادراً على خلق نزوع إنسانوي نحو التعايش، بلا خطاب يبرر العنف والقتل والهيمنة والحروب. وفي رأيي، فإن المفهوم المؤسس للخطاب الإنسانوي، وللمشترك الإنسانوي، هو الحق.
إن مفهوم الحق المجرد يقال على معنيين: الحق بما هو تعبير عن امتلاك الإرادة لسبل الحياة والاستئثار بها، بحرية لا تقوم على سلب إرادة أخرى. وهذا أمر يتوافق الناس عليه عموماً من حيث كليته، مع اختلاف بسيط في النظرة إلى الجزئيات.
والحق بما هو المعرفة التي يوصلنا إليها العقل وأدواته الاستدلالية والاستقرائية. وهنا نتحدث عن الاختلاف في صور الحق.
إن العربية، وهي تجعل الحق دالاً على هذين المعنيين، فإنها عكست عقلاً لا يفصل بين حق الإنسان في الحياة وصورها، والحق المعبر عن المعرفة التي نقيضها الباطل. الحق بوصفه وعياً بالعالم. دعونا نقف عند الحق بوصفه وعياً بالعالم إنسانياً.
لن أدخل في السردية الفلسفية، لكن حسبي أن أقف عند مقولة الفيلسوف العربي ابن رشد: «الحق لا يضاد الحق».
إذن، كل حقيقة تحمل في أحشائها بذرة تميزها، وهذا يعني أن الناس مختلفون في وعي الحقيقة. وإذا كان البشر يشتركون في الحق امتلاكاً وفي الحق وعياً، فهذا يعني أن تعايش الحق بالمعنيين في حياة الناس لا يكون إلا بالاعتراف بالآخر، بما ينطوي عليه من صور الحق، سواء كان الآخر فرداً، أو جماعة، أو أمة.
لكن الاعتراف لا يكون بدعوة أخلاقية فقط، على أهميتها، بل لا بد من وجود قوة عملية تنظم حق الاختلاف وشرعنته. هنا تبرز الدولة، دولة التسامح، ومؤسسات المجتمع المدني.
والحروب الدينية والطائفية التي شهدها الغرب والشرق، والتي انتهت بانتصار الحداثة القائمة على مركزية العقل والإنسان، لم تقد إلى انتهاء الحروب بين البشر، بل إن الحروب التي جرت وما زالت تجري في عصر الحداثة، وما بعد الحداثة تفوق في جرائمها وآثارها المدمرة أية حرب دينية.وهذا يعني أن الذئبية التي أشرت إليها ما زالت فاعلة في حياة الدول والجماعات.
والنخبة العالمية، إذ تستلهم من التاريخ القديم والحديث والمعاصر تجربة البشر في التعايش، إلى جانب تجربتهم في العداوة، فإنها تطرح عقل التجاوز لكل ما يعيق العيش المشترك وتعايش المختلفين. وهذا الأمر يتطلب شجاعة نقدية للذات وللآخر معاً.
