الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ثنائية الزمان والمكان

14 مايو 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 14 مايو 00:03 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تشكل ثنائية الزمان والمكان أساساً مهمّاً في بنية العمل الروائي، لأنهما يمنحان الأحداث معناها ويجعلان الحكاية أكثر وضوحاً وعمقاً، ومن خلال هذه الثنائية يستطيع الروائي أن يقدم عالماً قريباً من الحياة، فيه الحركة والتغير والذاكرة والتجربة الإنسانية.
فالسرد الروائي الجيد يقوم على حكاية تتوزع بها الأحداث داخل زمن محدد، ومكان يحتضن هذه الأحداث ويمنحها ملامحها الخاصة، فالزمان في الرواية يؤدي دوراً مباشراً في تنظيم الحركة السردية، فهو يحدد تسلسل الوقائع، ويكشف التحولات التي تطرأ على الشخصيات، ويمنح القارئ قدرة على تتبع تطور الحدث من بدايته إلى نهايته، لكن الزمن الروائي يتعرض للتقديم والتأخير والاسترجاع والاستباق، ولا يبقى غالباً على هيئة خط مستقيم، فتتداخل الأزمنة وتتشابك، ويصبح السرد أكثر اتساعاً وعمقاً، وهذا التداخل يجعل الرواية قادرة على تمثيل التجربة الإنسانية.
أما المكان فهو يمنح الأحداث حضورها الملموس، ويجعلها متجسدة أمام القارئ، وقد يتحول المكان من كونه فضاءً جغرافياً، إلى عنصر دلالي يشارك في إنتاج المعنى، فالبيت، والمدينة، والمخيم، والميناء، والغرفة، كلها فضاءات تحمل داخلها أثر العلاقات الاجتماعية والنفسية والثقافية، وكلما كان المكان أكثر حضوراً في النص، ازدادت قدرته على كشف ما تعيشه الشخصيات من انتماء أو عزلة أو صراع.
يمكن ملاحظة ذلك بوضوح في رواية «باب الشمس» لإلياس خوري، حيث يتداخل المكان وهو مخيمات اللجوء ومغارة «باب الشمس»، مع زمن النكبة والذاكرة الجماعية، وهنا أصبح المكان شاهداً على التهجير، وحاملاً للقصص والألم، فيما يتكسر الزمن عبر حكايات يونس الأسدي التي تتدفق بين الماضي والحاضر، محافظاً على الصلة مع الوطن رغم الشتات.
كما تقدم رواية «الجريمة والعقاب» لفيودور دوستويفسكي نموذجاً مختلفاً لهذه الثنائية، فقد شكلت مدينة بطرسبرغ كياناً جغرافياً ضاغطاً على «راسكولنيكوف»، هذه المدينة والأزقة الضيقة والغرف الخانقة تسهم في تكوين الإحساس بالاختناق يعكس الاضطراب النفسي للبطل، 
 يمكن القول إن الرواية الناجحة هي التي تتطور فيها الشخصيات داخل أطر زمانية ومكانية محددة، وهذه الأطر هي التي تمنح معنى وتفسيراً لأفعالها، بحيث يصبح فهم أي شخصية يمر أولاً عبر فهم زمنها ومكانها.
التعامل مع الزمان والمكان كعنصرين متلازمين يشكلان عمود العمل الروائي. وكلما كان الروائي واعياً بهذه العلاقة، استطاع أن ينتج نصاً أكثر تماسكاً وعمقاً، قادراً على التقاط تعقيد التجربة الإنسانية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة