يشهد اقتصاد آسيا نمواً متسارعاً، وتُعدّ الإمارات العربية المتحدة في قلب محرك ازدهار القارة. ووفقاً لصندوق النقد الدولي، من المتوقع أن تقود آسيا معظم النمو الاقتصادي العالمي. وستساهم الصين والهند معاً بنحو نصف النمو العالمي، بينما يُتوقع أن يُساهم الشرق الأوسط بنسبة 7.8%، وهي نسبة تفوق مساهمة أوروبا. ويتوقع مركز أبحاث «آسيا هاوس» في لندن أن تصبح الاقتصادات النامية في آسيا أكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون الخليجي خلال خمس سنوات.
إن تنامي الروابط بين الخليج وبقية آسيا -والذي يمتد من العلاقات الاقتصادية إلى تعزيز التعاون الأمني- يُعدّ مؤشراً على ظاهرة أوسع نطاقاً تتشكل منذ سنوات: وهي تحوّل مركز الثقل في الاقتصاد العالمي شرقاً. وبالنسبة لمن يستعدون لمواكبة ما يُسمى «القرن الآسيوي»، فلن يكون مفاجئاً أن يكون الخليج مركزاً حيوياً للنشاط الاقتصادي.
اعتبر العالم الإمارات مركزاً تجارياً عالمياً استحق الازدهار. وترى مراكز دراسات عالمية أن التفاعل بين سائر الإمارات أثمر بيئة أعمال متنوعة ومتطورة لدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث عمل الإماراتيون الموهوبون جنباً إلى جنب مع خبراء أجانب بارعين لعقود. إضافةً إلى ذلك، تتبنى دولة الإمارات العربية المتحدة نهج اللامركزية. فالدولة لديها القدرة على إنشاء مؤسسات متعددة في المجال نفسه.
وتتمتع الإمارات العربية المتحدة بحسٍّ قوي في التعامل مع الأمور كمحفظة استثمارية ذات استراتيجيات متنوعة تتضمن تحوطاً عميقاً بدلاً من المراهنة بمبالغ كبيرة على نتائج محددة.
وقد تطورت الإمارات العربية المتحدة، لتصبح مركز جذب للمواهب العالمية والمبتكرين ورواد الأعمال. لقد حققت ذلك بفضل وضوح الهدف والقيم الإنسانية، ما شكّل أساساً معيارياً ومنهجاً موحداً في أي بيئة بات فيها التغيير السريع والجذري هو الوضع الطبيعي الجديد. وما يدل على ذلك في عام 2005، ألقى رئيس الوزراء السنغافوري المؤسس، لي كوان يو، كلمةً في سلسلة «إرث القيادة» التي نظمها سيتي بنك في دبي. وألقى كلمة قال فيها: «كانت سنغافورة في الماضي هي المعلمة ودبي هي التلميذة. عندما أنظر إلى دبي اليوم، لست متأكداً من أن هذا لا يزال هو الحال».
تشير الدول الأكثر تقدماً في آسيا، من قبيل اليابان وكوريا الجنوبية والإمارات العربية المتحدة وسنغافورة، إلى حداثات متعددة، أو حداثات بديلة. فآسيا تشرع في نهضة ثقافية ومحاولة لتغيير المجتمع من خلال إعادة تفسير تراثها الغني. وتقر مراكز الدراسات الآسيوية الكبرى بأن دولة الإمارات العربية المتحدة تعد من أبرز بوتقات التنوع الثقافي في آسيا؛ فالإمارات تزدهر بالتنوع والحوكمة الرشيدة وجاذبية المكان. وتشتهر الإمارات بروحها الإيجابية وانفتاحها وتسامحها في منطقة ذات طابع محافظ. كما ترى أن قصة بناء الإمارات الحديثة قصة فريدة لكن المنهج الإماراتي قابل للتطبيق. فالرؤية الملهمة والسرد الوطني المُحكم الصياغة، الذي يلقى صدى واسعاً عبر الثقافات يخلق الثقة وحسن النية ويلقى دعماً من جهات خارجية، وهي عناصر القوة والإقناع في القرن الآسيوي. وعندما يشمل تعزيز المصالح الوطنية دعم القوة الناعمة، ستكون النتيجة دائماً انتصاراً للبشرية، لأنها تُحقق الوعد الأساسي للتعددية القطبية.
ومن أبرز مساهمات الإمارات أنها أعطت منظوراً جديداً للقرن الآسيوي، فمع إيلاء الإمارات أهمية كبيرة للاقتصاد فإنها تركز على البعد الإنساني في التحول الذي تشهده آسيا، من قبيل دور المرأة، وإعادة تصوّر الأسرة التقليدية الممتدة، والحاجة إلى النزعة الإقليمية الحيوية، والتعايش المتنامي بين البشر والتكنولوجيا. كما تؤمن الإمارات العربية المتحدة بأن عالمنا، بكل المقاييس، في حاجة ماسّة إلى التحوّل، وإلى إعادة موازنة تجاوزاته العديدة، والانتقال إلى مستقبل أكثر استدامة وقابلية للعيش. ولا بد أن تتم التغييرات في كل من المجالات المادية والعاطفية والمعرفية، فالتحوّلات المنهجية وكذلك السردية ضرورية في الوقت نفسه.
* أستاذ العلوم السياسية والاقتصادية
